سورة الصافات 22 إلى 82
"احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ"22"مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ "23.
ويقال للملائكة: اجمَعُوا الذين كفروا بالله ونظراءهم وآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، فسوقوهم سوقًا عنيفًا إلى جهنم.
"وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ "24.
واحبسوهم قبل أن يصلوا إلى جهنم؛ إنهم مسؤولون عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدنيا، مساءلة إنكار عليهم وتبكيت لهم.
"مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ"25.
ويقال لهم توبيخًا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا؟
"بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ "26.
بل هم اليوم منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، غير منتصرين لأنفسهم.
"وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ "27.
وأقبل بعض الكفار على بعض يتلاومون ويتخاصمون.
"قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ "28.
قال الأتباع للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا من قِبَل الدين والحق, فتهوِّنون علينا أمر الشريعة، وتُنَفِّروننا عنها، وتزينون لنا الضلال.
"قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"29.
قال المتبوعون للتابعين: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان.
"وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ "30.
وما كان لنا عليكم من حجة أو قوَّة، فنصدكم بها عن الإيمان، بل كنتم -أيها المشركون- قومًا طاغين متجاوزين للحق.
"فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ "31.
فلزِمَنا جميعًا وعيد ربنا, إنا لذائقو العذاب, نحن وأنتم, بما قدمنا من ذنوبنا ومعاصينا في الدنيا.
"فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ "32.
فأضللناكم عن سبيل الله والإيمان به, إنا كنا ضالين من قبلكم, فهلكنا؛ بسبب كفرنا، وأهلكناكم معنا.
"فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ"33.
فإن الأتباع والمتبوعين مشتركون يوم القيامة في العذاب, كما اشتركوا في الدنيا في معصية الله.
" إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ "34.
إنا هكذا نفعل بالذين اختاروا معاصي الله في الدنيا على طاعته, فنذيقهم العذاب الأليم.
"إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ "35.
إن أولئك المشركين كانوا في الدنيا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله, ودعوا إليها, وأُمروا بترك ما ينافيها, يستكبرون عنها وعلى من جاء بها.
" وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ "36.
ويقولون: أنترك عبادة آلهتنا لقول رجل شاعر مجنون؟ يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ "37.
كذَبوا, ما محمد كما وصفوه به, بل جاء بالقرآن والتوحيد, وصدَّق المرسلين فيما أخبروا به عنه من شرع الله وتوحيده.
"إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ"38.
إنكم -أيها المشركون- بقولكم وكفركم وتكذيبكم لذائقو العذاب الأليم الموجع.
" وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ "39.
وما تجزون في الآخرة إلا بما كنتم تعملونه في الدنيا من المعاصي.
"إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ "40.
إلا عباد الله تعالى الذين أخلصوا له في عبادته, فأخلصهم واختصهم برحمته؛ فإنهم ناجون من العذاب الأليم.
"أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ "41.
أولئك المخلصون لهم في الجنة رزق معلوم لا ينقطع.
"فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ"42" فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ "43.
ذلك الرزق فواكه متنوعة, وهم مكرمون بكرامة الله لهم في جنات النعيم الدائم.
"عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ "44.
ومن كرامتهم عند ربهم وإكرام بعضهم بعضًا أنهم على سرر متقابلين فيما بينهم.
"يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ "45" بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ "46"لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ "47.
يدار عليهم في مجالسهم بكؤوس خمر من أنهار جارية, لا يخافون انقطاعها، بيضاء في لونها، لذيذة في شربها، ليس فيها أذى للجسم ولا للعقل.
"وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ"48" كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ"49.
وعندهم في مجالسهم نساء عفيفات, لا ينظرن إلى غير أزواجهن حسان الأعين, كأنهن بَيْض مصون لم تمسه الأيدي.
"فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ "50.
فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم في الدنيا وما كانوا يعانون فيها، وما أنعم الله به عليهم في الجنة، وهذا من تمام الأنس.
"قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ"51.
قال قائل من أهل الجنة: لقد كان لي في الدنيا صاحب ملازم لي.
"يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ"52"أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ"53.
يقول: كيف تصدِّق بالبعث الذي هو في غاية الاستغراب؟ أإذا متنا وتمزقنا وصرنا ترابًا وعظامًا، نُبعث ونُحاسب ونُجازى بأعمالنا؟
" قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ "54"فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ"55.
قال هذا المؤمن الذي أُدخل الجنة لأصحابه: هل أنتم مُطَّلعون لنرى مصير ذلك القرين؟ فاطلع فرأى قرينه في وسط النار.
"قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ "56"وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ "57.
قال المؤمن لقرينه المنكر للبعث: لقد قاربت أن تهلكني بصدك إياي عن الإيمان لو أطعتك. ولولا فضل ربي بهدايتي إلى الإيمان وتثبيتي عليه, لكنت من المحضرين في العذاب معك.
"أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ "58" إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ "59" إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "60.
أحقًا أننا مخلَّدون منعَّمون، فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى في الدنيا، وما نحن بمعذَّبين بعد دخولنا الجنة؟ إنَّ ما نحن فيه من نعيم لهُوَ الظَّفَر العظيم.
"لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ "61.
لمثل هذا النعيم الكامل, والخلود الدائم, والفوز العظيم, فليعمل العاملون في الدنيا؛ ليصيروا إليه في الآخرة.
" أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ "62.
أذلك الذي سبق وصفه مِن نعيم الجنة خير ضيافة وعطاء من الله، أم شجرة الزقوم الخبيثة الملعونة، طعام أهل النار؟
"إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ"63.
إنا جعلناها فتنة افتتن بها الظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي, وقالوا مستنكرين: إن صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة, والنار تأكل الشجر.
" إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ "64" طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ "65" فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ"66"ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ"67" ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإٍلَى الْجَحِيمِ "68.
إنها شجرة تنبت في قعر جهنم, ثمرها قبيح المنظر كأنه رؤوس الشياطين, فإذا كانت كذلك فلا تَسْألْ بعد هذا عن طعمها, فإن المشركين لآكلون من تلك الشجرة فمالئون منها بطونهم. ثم إنهم بعد الأكل منها لشاربون شرابًا خليطًا قبيحًا حارًّا, ثم إن مردَّهم بعد هذا العذاب إلى عذاب النار.
"إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ "69" فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ "70.
إنهم وجدوا آباءهم على الشرك والضلال، فسارعوا إلى متابعتهم على ذلك.
"وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ "71.
ولقد ضلَّ عن الحق قبل قومك -أيها الرسول- أكثر الأمم السابقة.
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ"72.
ولقد أرسلنا في تلك الأمم مرسلين أنذروهم بالعذاب فكفروا.
"فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ "73.
فتأمَّل كيف كانت نهاية تلك الأمم التي أنذرت، فكفرت؟ فقد عُذِّبت, وصارت للناس عبرة.
"إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ "74.
إلا عباد الله الذين أخلصهم الله، وخصَّهم برحمته لإخلاصهم له.
"وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ "75.
ولقد نادانا نبينا نوح؛ لننصره على قومه, فلنعم المجيبون له نحن.
"وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ "76.
ونجيناه وأهله والمؤمنين معه مِن أذى المشركين, ومن الغرق بالطوفان العظيم.
"وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ "77.
وجعلنا ذرية نوح هم الباقين بعد غرق قومه.
"وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ "78.
وأبقينا له ذِكْرًا جميلا وثناءً حسنًا فيمن جاء بعده من الناس يذكرونه به.
"سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ "79.
أمان لنوح وسلامة له من أن يُذْكر بسوء في الآخِرين, بل تُثني عليه الأجيال من بعده.
"إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "80.
مثل جزاء نوح نجزي كلَّ مَن أحسن من العباد في طاعة الله.
"إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ "81.
إن نوحًا من عبادنا المصدقين المخلصين العاملين بأوامر الله.
"ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ"82.
ثم أغرقنا الآخرين المكذبين من قومه بالطوفان، فلم تبق منهم عين تَطْرِف.