ملتقى قطرات العلم النسائي
 
 

الـــمـــصـــحـــــف الـــجـــامـــع
مـــصـــحـــــف آيـــــات
موقع الدرر السنية للبحث عن تحقيق حديث

العودة   ملتقى قطرات العلم النسائي > ::الملتقى العام:: > ملتقى عام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-11-2020, 01:08 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي على منهاج النُّبوَّة

✍على منهاج النُّبوَّة

🟢 إنه قد شَهِدَ بدراً!

كانتْ مكة على موعد قريب مع الفتح، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حسم أمره بالسير إليها، وأخبر الجيش بالاستعداد، ولأن الحرب خِدعة، ولأن من يملك عنصر المفاجأة نادراً ما يُهزم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بكتمان أمر المسير إلى مكة.
كان كل شيء يسير كما هو مُخطط له، الصحابة من أهل مكة يحلمون باللحظة التي سيُقبِّلون فيها ترابها، والصحابة من أهل المدينة ما زالوا يحلمون بعُمرةٍ رُدُّوا عنها يوم الحُديبية! وبقية الصحابة من جزيرة العرب يحلمون باللحظة التي سيرتفع فيها أذان مكة مُعلِناً أنَّ الله أكبر! غير أنَّ شيئاً لم يكن بالحسبان قد وقع… يستدعي النبيُّ صلى الله عليه وسلم الفرسان الثلاثة علي والزبير والمقداد ويأمرهم بالتوجه على الفور إلى "روضة خاخ" حيث هناك امرأة تحملُ رسالةً عليهم إحضارها إليه مهما كلَّف الأمر!
توجَّه الثلاثة مُسرعين فوجدوا المرأة هناك، فطلبوا منها أن تُعطيهم الرسالة، فأنكرتْ وجودها، فقالوا لها: إما أن تُخرجي الكِتاب أو لنضعنَّ الثياب!
فلما علمتْ أنهم عازمون على تفتيشها، أعطتهم الرسالة وعادوا بها إلى المدينة، وهناك فتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرسالة فإذا هي من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يُعلِمهم فيها بعزم النبي صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة لفتحها!
👈🏻خرقٌ أمني خطير! وإن شئتَ فقُلْ: خيانة عُظمى!
ويُبرر حاطبٌ فعلته بأنَّ له أهلاً ضعفاء في مكة، وأنه ما أراد برسالته غير أن تكُفَّ قريش أذاها عنهم!
ويقبلُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عُذره… غير أن عمر بن الخطاب بحزمه المعتاد، إذا ما تعلَّق الأمر بهذا الدين يقول: يا رسول الله ائذن لي أن أضربَ عنق هذا المنافق!
👈🏻فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر، إنه قد شهد بدراً، وما أدراك لعلَّ الله قد اطلعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم!
إنه قد شهد بدراً!

▪يا تُرى هل نتذكر ماضي الناس المشرق عندما يقعُ منهم خطأ، أم أننا ننسى كل المعروف، واللحظات الحلوة، والمشاعر الجميلة التي عشناها عند أول زلة قدم؟!
في حياة كل إنسان "بدر قد شهدها" فلماذا لا نمحو الخطأ ببدر تلك بدل أن نمحو بدراً بهذا الخطأ!
لماذا نُريد من الناس أن يكونوا ملائكة على الدوام؟! أليس لكل جواد كبوة، ولكل قدم زلة، ولا بد للنبيل أحياناً أن يخونه نُبله، وقد قال علي بن الجهم:
ومن ذا الذي تُرجى سجاياه كلها
كفى المرءُ نُبلاً أن تُعدَّ معايبه!

تجد الزوجة تخوضُ كل يومٍ بدراً، تربيةً للأولاد، وطبخاً ونفخاً، وتدريساً واهتماماً، وعند أول خطأ ينسى الزوج ذلك كله وكان بإمكانه أن يقفز عنه!
وتجدُ الزوجَ محباً حنوناً رحيماً فإذا أخطأ قامت الدنيا ولم تقعد، تنسى الزوجة عُمراً من المعروف بموقف كان بإمكانها التغاضي عنه!
لماذا على المدير أن ينسى كل ماضي الموظف المشرق عند خطأ عابر، وعلى الموظف أن ينسى لُطف المدير السابق عند أول موقف حزم!
لماذا ينسى الوالدان سنوات ابن في البِر لموقف عقوق واحد، وينسى الأولاد إحسان الدهر من الوالدين للحظة ضعف إنساني واحد!
احفظوا لكل أَحدٍ "بدره" ولا تمحوا كل المعروف بموقف واحد!

منقول
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-11-2020, 07:28 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي

✍على منهاج النُّبُوَّة

2⃣

🟢 فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!

كان يوم بدر يوم حمزة بن عبد المطلب بامتياز، صالَ فيه الأسدُ الهصور وجالَ، ما مرَّ بفارسٍ إلا وصرعه، ولا أتى على محاربٍ إلا أهلكه، كيف لا وهو الذي كانت تُلقبه قريش في الجاهلية بِصائِدِ الأُسود، ولقَّبه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الإسلام بأسدِ الله وأسدِ رسوله!
لقد أصابَ قريشاً في مقتلها، واعتبرته المسؤول الأول عن هزيمتها في بدر، وكان لأكثر من بيتٍ قرشي ثأرٌ عنده!
وكان وحشي بن حربٍ عبداً رامياً بالحربة، مُجِيداً فيها، فوُعِدَ إن هو قتل حمزة يوم أُحد أن يصير حراً، وهكذا كان، استشهد أول قائد هيئة أركان في تاريخ الإسلام، وصار وحشيٌ حراً طليقاً! ولما فتح النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة، هربَ وحشيٌ إلى الطائف خوفاً من فِعلتِه، ثم إنه قد قيل له: إن الرجلَ لنبيٌّ، وإنه لا يثأر لنفسه، وقد قال: الإسلام يجُبُّ ما قبله، فلو أتيتَه وأسلمتَ، لَقَبِل منك، وعفا عنك!
فجاء وحشيٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رآه قال له: أنتَ وحشي؟
قال: نعم
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنتَ قتلتَ حمزة؟
فقال: قد كان من الأمر ما بلغكَ، وقد جئتُ أشهد أن لا إله إلا الله، وأنكَ رسول الله!
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!
ولم يلتقيا بعدها، فلما قُبِضَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وادعى مُسيلمة الكذاب النبوة، خرج وحشي في جيش المسلمين، وقتل بحربته مُسيلمة! وكان بعدها يقول: قتلتُ بحربتي هذه خير الناس وشر الناس، حمزة بن عبد المطلب ومُسيلمة الكذاب!

فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهكَ عني؟!
هنا مربط الفرس، وإسطبلُ الكلام!
الإسلام يجبُّ ما قبله، ولا يستطيعُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يردَّ إسلامَ من جاءه مسلماً لأي فعلة فعلها في الجاهلية حتى لو كان قد قتلَ عمّه! لهذا قبلَ إسلامَ وحشي! ولكنه بأبي هو وأمي لا يستطيع أن يخرجَ من قفص بشرِيَّتِه، إنه يُحبُّ ويكره، ولا يُريدُ أن يرى وجه وحشي طالما فيه جفن يطرف!
لقد طبَّق شرع ربه بقبوله إسلام وحشي، ولكن حقه الشخصي رفضَ أن يتنازل عنه، ما زال موجوعاً لفقد عمه وقائد جيشه وأحد أشرس جنود الإسلام!
العفو عند المقدرة من شِيَمِ النُّبلاء، وقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم نبيلاً فعفا، ولكن العفو شيء والودُّ شيء آخر!
أحياناً يجرحنا الآخرون عميقاً، يُسبِّبون لنا جروحاً غائرة لن تُشفى ما دامت السماوات والأرض، وقد يدخل الناس للصلح، وقد نسامح، ولكننا لا نُريدهم بجانبنا مرةً أُخرى، ولا نُريد رؤية وجوههم حتى، لأننا كلما رأيناهم سنتذكر طعم الطعنة التي طعنونا إياها، ونتحسس الجرح الذي أحدثوه فينا ولم يبرأ بعد!
تفهموا أن الذي لا يريدُ عودة الأمور إلى مجاريها مجدداً رغم مسامحته ليس بالضرورة أن يكون حقوداً، فلو كان حقوداً ما طوى الصفحة أساساً، ولكن جرحه له وحده، وعلينا أن نحترم خصوصية الجُروح!
وقريباً من هذا قال الأديب الروسي ليو تولستوي: عندما يخونونك فكأنما قطعوا ذراعيك، تستطيع أن تُسامحهم، ولكنك لا تستطيع أن تُعانقهم!

~~
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-13-2020, 02:51 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي


3⃣

وهذه يد عثمان!


✍لمَّا كان عام الحديبية وسار النبي صلى الله عليه وسلم بالمُسلمين يُريدون مكة للعمرة فقط، أُشيع في مكة أن المسلمين إنما جاؤوا للحرب، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرسل إليهم رسولاً يُخبرهم أنه ما أراد إلا العمرة، ولن يمكث في مكة أكثر من يوم وليلة! ووقع أول الأمر اختياره على عمر بن الخطاب، ولأنَّ بني عدِي يومئذ قلة في مكة ولن يقدروا أن يحموه إذا أرادت قريشٌ الغدر، اقترح الفاروق على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يرسل مكانه عثمان بن عفان، فهو من بني أُمية، الفخذ القوي والثريُّ من قريش ولن يتجرأ عليه أحد…
ويقبلُ النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر، ويُرسلُ عثمان بن عفان مُوفداً منه إلى قريش برسالةٍ مفادها ما أتينا للحرب، إنها العمرة فقط!
فأتى عثمان مكة، وأبلغ أبا سفيان وسادة قريش رسالة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبروه أنهم سينظرون في أمرهم، وقال أبو سفيان لعثمان: إن شئتَ أن تطوف بالبيت فطفْ!
فقال له عثمان: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبقته قريش عندها ريثما تستقر على رأي تبعثه معه إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وعندما تأخر عثمان أُشيع أنه قد قتل، وكانت الأعراف الدبلوماسية وقتذاك تقتضي أن الرُّسل لا تُقتل، لهذا غضب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وطلب من المُسلمين أن يُبايعوه على الموت لقتال قريش عند الشجرة بما عرف فيما بعد ببيعة الرضوان!
ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده، وبدأ الصحابة يضعون أيديهم فوق يده الشريفة ويُبايعونه على الموت، ثم لما اجتمعت الأيدي فوق يده، رفع يده الشريفة الأخرى وقال: وهذه يد عثمان!
صحيح أن هذه البيعة ما كانت لتكون لولا غياب عثمان، ولكن عثمان كان حاضراً رغم غيابه، سيد الناس ينوب عنه، ويده الشريفة تسدُّ فراغ يد عثمان!
علمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن بيعة الموت لو كانت لسبب آخر وكان عثمان حاضراً ما تخلَّف عن البيعة لهذا سدَّ غيابه
فهل حفظنا نحن غيبة بعضنا؟!

هل تمَّ جمع صدقةٍ لفقير فقال أحدنا هذه عن صديقي الغائب فلو كان حاضراً لتصدَّق؟!

هل اصطحبَ أحدنا أباه أو أمه إلى المستشفى وفي لحظة خلوة قال لأحدهما: إن أخي غاب لعذر ولو كان معنا لكان هنا مكاني وما سبقته إلى بِرِّكما؟!

عندما كانت غزوة تبوك، افتقد النبيُّ صلى الله عليه وسلم كعبَ بن مالك، فسأل: ما فعلَ كعبُ بن مالك!
فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه والنظرُ في عِطفيه!
فقام مُعاذ بن جبل وقال: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً!
نعم غاب كعب، ولكنه كان حاضراً في قلب معاذ، فحفظ له غيبته!
وقال رجل للمُبرِّد النحوي الشهير: شتمني فلان فحلمتُ وسكتُّ عنه، ثم شتمكً، فساويتكَ بنفسي، وسكتُّ عنه!
فقال له المُبرِّد: ليسا سواء، إنَّ احتمالك في نفسك حِلْم، واحتمالك في صديقك غدر!

📍كلما غاب صديق تعرف مروءته، سُدَّ مكانه، وتذكَّرْ: هذه يد عثمان
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-13-2020, 10:14 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي

4⃣

✍شُهداء الله في الأرض!

كانتْ جلسةً رائعة، وكيف لا تكون كذلك والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيها! والصحابة يُكحِّلون أعينهم بالنظر إلى وجهه، يا لحظِّهم!
وتمُرُّ جنازةٌ… فيُثني الصحابة عليها خيراً، ربما قالوا يومها: كان الميت صديقاً وفياً، وزوجاً مُحباً، وابناً باراً، وجاراً كريماً، كان يُصلح بين المتخاصمين، ويتصدق على المساكين، ويُسامح من أخطأ بحقه، وكان قلبه معلقاً بالمساجد!
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ!

ثم بعد قليل مرَّتْ جنازةٌ أخرى، فأثنى الصحابة عليها شراً، ربما قالوا يومها: كان الميت صديقاً غادراً، وزوجاً لئيماً، وابناً عاقاً، وجاراً مُؤذياً، كان لا يحترم كبيراً ولا يعطف على صغير، والطريق إلى المسجد لا يعرفها ولا تعرفه!
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ!

فسأل الصحابة: ما وَجَبَتْ يا رسول الله؟
فقال: من أثنيتم عليه خيراً وجبتْ له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبتْ له النار، أنتم شُهداء الله في الأرض!

كلنا سنُحمل يوماً على الأكتاف، فكل نفسٍ ذائقة الموت، وما نحن إلا جنائز مُؤجلة، وكما قال كعب بن زهير:
كلُّ ابنِ أُنثى وإن طالتْ سلامته
يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ!

فهل فكرنا ماذا سيقول شهداء الله في الأرضِ عنا يوم نُحملُ في التوابيت؟!

كل إنسان تتعامل معه اليوم هو شاهد لكَ أو عليكَ، تذكر هذا جيداً وأنتَ تُخالط الناس، وانسَ ما شئتَ ولكن إياك أن تنسى: وَجَبَتْ!

ماذا سيقول أبواك عنك؟ اللهم اغفرْ له فقد كان نعم الابن، أم سيقولان اللهم إنك تعلم ما كان من أمر عقوقه!

ماذا ستقول زوجتك عنك؟ اللهم إنه كان خير زوج، أم ستقول خُذْ بحقي منه يا الله!

ماذا سيقول أبناؤكَ عنك؟ اللهم إنه كان أباً عادلاً لم يُفضِّل ابناً على بنتٍ، ولا ولدٍ على ولد، أم سيقولون يا الله إنه قد ظلمَ وميَّزَ وأضاع الأمانة ولم يُحسن التربية!

ماذا سيقول جيرانك عنك؟ اللهم أنزله في جوارك فقد كان خير جار، أم سيقولون وأخيراً استرحنا من أذاه!

ماذا سيقول زملاؤك في العمل عنك؟ اللهم ارحمه فقد كان طيباً ينصحُ ويُساعد، ويحفظ السر، أم سيقولون اللهم إنك تعلم أنه كان واشياً لا يُؤتمن، ومُؤذياً لا يُحتمل!
كل مُتعثِّر أقمته وأخذت بيده هو شاهد لك
كُلُّ دمعةٍ مسحتها هي شاهدة لكَ
كل فقير رأى منك دفء ابتسامتك قبل دفء درهمك هو شاهد لكَ
كلُّ مسكين أعنته، وجائع أطعمته، وتائه أرشدته، ومظلوم نصرته، شهود لكَ،
فكثِّرْ شهودكَ، فجنائز الغد تتنفسُ اليوم!

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 01-13-2020 الساعة 10:51 PM
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-16-2020, 10:29 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

5⃣

✍أَجِب عني!

مر عمر بن الخطاب يوماً بالمسجد، فإذا حسان بن ثابت ينشد فيه شِعراً، فانتهره عمر لا تحريماً للشعر، ولا انتقاصاً من قيمة الشعراء، كيف لا وهو القائل: خذوا لُغتكم من كتاب ربكم وقديم شِعركم! وإنما كان نهيه إعلاءً لقيمة المسجد، وتنزيهه أن لا يقال فيه إلا قرآن كريم وحديث نبوي.

ولكن حسان بن ثابتٍ قال له: يا أمير المؤمنين كنتُ أُنشد في المسجد شِعراً وفيه من هو خير منك!
ثم التفت إلى أبي هريرة وقال له: يا أبا هريرة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: يا حسَّان أَجِبْ عني، اللهم أيده بروح القُدُس؟!
فقال أبو هريرة: نعم
فمضى عمر وتركه!

واستطراداً، إني لو كنت محدثاً، وأردت أن أجمع الأحاديث الواردة في فضل عمر بن الخطاب، لأوردتُ هذا الحديث في فضائله، فليست الفضيلة في أن يكون المرء على صواب دوماً،
👈🏻 إنما أن يكون وقافاً عند الحق إذا تبين له أنه مخطئ!

👈🏻أَجِب عني!
هنا مربط الفرس، وبغية الكلام!
هذا الدين الذي احتاج يوماً إلى سيف خالد حين احتدمتْ المعارك الحربية احتاج أيضاً إلى قصائد حسان حين احتدمتْ المعارك الفكرية، خالد لم يكن بإمكانه أن يسد مكان حسان، وحسان لم يكن بإمكانه أن يسد مكان خالد! لقد وضع الله سبحانه كل واحدٍ منا على ثغر، وعليه أن يحرس هذا الثغر بكل ما أُوتي من قوة، دون أن يستصغر الثغر الذي يحرسه، ودون أن يتفاخر بأن ثغره أهم من بقية الثغور!
مال عثمان بن عفان كان يوم جيش العسرة أهم من قراءة أُبي بن كعب، وعند جمع المصحف الشريف كانت قراءة أُبي بن كعب أهم من مال عثمان، وسيف خالد، وقصائد حسان، فكن أسداً عندما يحين دورك!

سيف علي بن أبي طالب يوم تصدى لمرْحبٍ في غزوة الخندق، يوازي مال أبي بكرٍ الذي أعتق به بلالاً، ما كان لسيف علي أن يحرر عبداً مسلماً من قيده، تماماً كما لم يكن لمال أبي بكر أن يقضي على مرحبٍ!
⚡هذا الدين تكامل بين أتباعه، لا تنافس وتفاضل!
وهذا هو حال الإسلام اليوم، ثغور شتى، وكل واحد منا على ثغر!
الأم في بيتها على ثغر، لأن صناعة الرجال مهمة عظيمة!
والمدرس في صفه على ثغر، لأن الأمة الجاهلة تُقاد ولا تقود!

المجاهد على ثغر لا يسده إمام المسجد، وإمام المسجد على ثغر لا يسده التاجر الثري، غير أن ثغر التاجر الثري صدقة وإنفاقاً وإعانة للناس لا يقل أهمية عن دور المجاهد الذي يجود بدمه، وإمام المسجد الذي يأخذ بأيدي الناس إلى الله!
⚡أُنظر أين أقامك الله، هذا هو ثغرك الذي عليكَ أن تحميه، وتجاهد فيه، وعندما يقوم كل واحد منا بدوره، تستعيد هذه الأمة مجدها!
▪مرِضتْ زوجة الملك، فأوصى الأطباء أن تستحم كل يوم بالحليب، فتساءل الملك كيف يملأ الحوض حليباً كل يوم، فاقترح وزيره أن يحضر كل راعٍ في المملكة دلو حليب في الليل يفرغه في الحوض، وهكذا تحل المشكلة!
قال كل راعٍ في نفسه، لو وضعت دلو ماء، سيضيعُ بين دلاء الحليب، ولن يعرف الملك، وفي صبيحة اليوم التالي، وجد الملك الحوض مملوءاً ماءً!
لم يبدأ كل واحدٍ بنفسه، لقد انتظر أن يقوم الآخرون بدوره، وهذا باختصار هو حالنا اليوم!

~~
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-18-2020, 09:57 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي


6⃣

✍لم أستفِق إلا وأنا في قرن الثعالب!

ضاقت عليه مكة، أبو طالب الذي كان يحوطه ويرعاه قد مات، وخديجة جبهته الداخلية ومتراسه قد ماتت أيضاً، ولم يتغير شيء في مكة، ما زالت غارقة في الضلال، تكذِّب نبيَّها، وتسوم أصحابه أصناف العذاب، فقرَّر المسير إلى الطائف، علَّه يجد فيها قلوباً أرحم من تلك القلوب القاسية في صدور سادة قريش، وفي الطائف عرض دعوته على سيدها ابن عبد ياليل، فوجده كأبي جهل غلظة، وكأبي لهب تكذيباً، وكأُمية بن خلف أذيةً، فأطلق خلفه سفهاء الطائف وغلمانها يرشقونه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين!

بعد سنوات من هذه الحادثة، كانتْ جزيرة العرب تدين بالإسلام، فقد جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً! وتسأله عائشة: هل أتى عليكَ يوم أشد من يوم أُحد؟!
كانت تعرفُ كم كان موجعاً ذلك اليوم، فقد فيه عمه حمزة، المُقاتل الشرس، ورئيس هيئة أركانه! وفقد سبعين من خيرة أصحابه، وشجَّ رأسه، وكُسرتْ مقدمة أسنانه!
👈🏻ولكنه حدثها عن يوم الطائف، لقد كان عليه أشد من يوم أُحد، فبعد أن رجموه وأخرجوه، يقول لها: فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا في قرن الثعالب! فرفعت رأسي فإذا بسحابة فيها جبريل، فناداني، فقال: إنَّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعثَ إليكَ ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم! فناداني ملكُ الجبال، وقال: إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين!
فقلت: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئاً!

⚡الشاهد في القصة:
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا في قرن الثعالب!

هو يعلم أنه نبي، ويعلم أنَّ دينه سينتصر نهاية المطاف، ويعلم أن الله معه ولن يخذله، ولكنه إنسان يحزن، ويضيق صدره، ويصيبه الهم، بل ويسير هائماً على وجهه لا يدري أين تأخذه قدماه بأبي هو وأمي، ثم ينتبه فإذا هو في قرن الثعالب قد مشى مسافة بعيدة عن الطائف!
فما بالك بنا نحن الذين لو جمع إيماننا جميعاً في كفة وإيمانه هو في كفة لرجح إيمانه على إيماننا، ولفاق يقينه بالله يقيننا، ولغلبَ صبره صبرنا، أليس من حقنا نحن أيضاً أن ننكسر أحياناً، ونمشي لا ندري أين تأخذنا أقدامنا؟!
فهل قدرنا هذا لبعضنا، وعرفنا أنه تمر بالإنسان لحظات يخرج فيها عن طبعه الطيب، واتزانه الذي عرفناه به، وعقله الراجح الذي ألِفناه عليه؟!

تمر بالإنسان لحظات لا يطيق فيها أن يقول كلمة، أو يسمع نصيحة، أو يقابل إنساناً، فلماذا نعتبر الأمر شخصياً، ونزيد هموم بعضنا البعض بدل أن نراعي أنَّ النفس في إقبال وإدبار، وأن الروح تمرض تماماً كما يمرضُ الجسم؟

إذا رأيت صديقك ضجِراً فلا تكن له هماً فوق همه، كُن له قرن الثعالب الذي يستفيق عنده!
احترم حزنه، وحاجته في أن يبقى وحده، ثم حين يهدأ، اِربت على كتفه، وامسح على صدره، وواسِ قلبه، حدثه حديث القلب للقلب، والروح للروح، دعكَ من المنطق قليلاً، فالنفس لحظة انكسارها تحتاج احتواءً لا درساً، والروح لحظة تيهها تحتاج احتضاناً لا محاضرة!

نحن نضعف لا من قلة الإيمان ولكن من قسوة الحياة، ما كان إيمان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قليلاً يوم الطائف، ولكن الحياة كانت قاسية، ولقد علِم الله حجم وجعه وانكساره، فلم يعاتبه لأنه هام على وجهه، ولم يقل له أين إيمانك بي، بل أرسل له ملائكةً، تحفه وتنصره، علم الله تعالى أن رسوله نهاية المطاف إنسان، وأن الناس تمر بهم لحظات ضعف تحتاج عندها قلباً حنوناً لا عقل فيلسوف أو لسان خطيب!

منقول

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 01-18-2020 الساعة 10:02 PM
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 04-01-2020, 04:10 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي


7⃣

✍إِن تَصْدِقِ اللهَ يصدُقُكَ!

لم يكن أحد من الصحابة يعرفه، مجرد أعرابي جاء من الصحراء وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة والجهاد. ثم كانت غزوة، وخرج الأعرابي مدافعاً عن هذا الدين في جملة من خرج، ثم منَّ الله على المسلمين بالنصر، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بين أصحابه، وترك للأعرابي نصيبه، فلما جاء وقيل له ترك لك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، أخذ الغنيمة وتوجه إليه، وقال له: يا رسول الله ما هذا؟

فقال له: قسمته لكَ
فقال: ولكن ما على هذا اتبعتكَ يا رسول الله، ولكني اتبعتكَ على أن أُرمى بسهم هاهنا -وأشار إلى رقبته- فأموت فأدخل الجنة!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إِنْ تصدق اللهَ يصدقك!
فلما كانت جولة أُخرى من القتال، أُتِيَ به إلى النبي صلى الله عليه وسلم محمولاً، والسهم مغروز في رقبته حيث أشار سابقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أهو هو؟
فقالوا: نعم يا رسول الله
فقال: صدقَ اللهَ فصدقه الله!
ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته، وصلى عليه، وكان مما سمعوا من دعائه يومها أنه قال: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، فقتِلَ شهيداً وأنا شهيد على ذلك!

إِنْ تصدِقِ الله يصدقُك!
يُمكنك أن تتحدث طويلاً عن رغبتك في الجهاد، وعن نيتك في الالتزام بصلاة الفجر، وعن أُمنيتك في حفظ القرآن الكريم، وعن عزمك على الصدقة كثيراً لو كنت غنياً، ونحن لا يمكن أن نحكم عليكَ إلا بظاهركَ، ولكن الله سبحانه يراك من الداخل، ينظر إلى قلبك عارياً من فنون الخطابة، وحسن البلاغة، وضجة الإعلام والبيانات، وعلى ما في قلبك سيعطيك!
إنَّ الله يعطي على نية العمل أجر عمل كامل لم يعمل حين يعلم في قلب عبده صدقاً أنه لو استطاع لعمل، ولا يقبل الطاعة على حسن ظاهرها إن علم أن وراءها رياء وحب شهرة ونفاقاً، وقد كان عبد الله بن سلول يصلي الفجر جماعة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الدرك الأسفل من النار، لقد عمل بجوارحه عمل الصالحين وعمل بقلبه عمل المنافقين، وإنما المرء بقلبه!
وقد جاء في الأثر أنه قد أصاب بني إسرائيل زمن موسى عليه السلام فاقة ومجاعة، وأنَّ راعياً بسيطاً نظر إلى الجبال حيث يرعى غنم الناس، وقال: اللهم إنك تعلم أنه لو كان لي مثل هذه الجبال ذهباً لتصدقت بها على عبادك!
فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى قُل لعبدي أني قبلت منه صدقته!
تذكروا دوماً أن الله لا ينظر إلينا من أعلى فحسب، ولكنه ينظر إلينا من الداخل أيضاً، وعلى قدر النوايا تكون العطايا!

~
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 04-02-2020, 01:42 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

8⃣

✍ ما لي أراك منكسراً؟

عاد المسلمون من أُحدٍ بالهزيمة، وهزيمةٌ تُربيك وتكسرك وتُريك خطأك خير من نصرٍ يُطغيك! أراد الله سبحانه أن يربي هذه الأمة ويخبرها أن لا نصر إذا لم يطع عبده ورسوله!

ولأن فقد الأحبة موجع، والفراق أليم، والصحابة بشر، خيَّم عليهم الحزن، حتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كُلِمَ بفقد عمه، وظلَّتْ خسارة حمزة جرحاً ينزُّ داخله إلى أن فارق الدنيا! ولكن على الحياة أن تمضي، فلملموا جراحاتهم، وطيَّب بعضُهم خاطر بعض،
وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأكثر تطييباً للخواطر رغم أنه كان الأكثر ألماً! ولقي يوماً جابر بن عبد الله بن حرام، فقال له: يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟
فقال له: يا رسول الله قتل أبي يوم أُحد، وتركَ عيالاً ودَيناً!
فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا أُبشركَ بما لقي الله به أباك؟
قال: بلى
فقال له: ما كلَّم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، ولكنه أحيا أباك فكلَّمه كِفاحاً، وقال له: عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكْ! فقال: يا رب أن تحييني فأُقتلَ فيك ثانية! فقال الربُّ عزَّ وجل: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يُرجعون!

ما أعذبها من عبارة: يا جابر ما لي أراك منكسراً؟!
أحياناً لا يريد الناس أكثر من كلمة حلوة، وتربيتة على الكتف، وأن تخبرهم أنكَ تهتم، وأنه يوجعك حزنهم.
👈🏻إن الكرم ليس مالاً فقط، الاهتمام كرم أيضاً، والمواساة أحياناً تُساوي مال الدنيا كلها! فهل طبقناها في حياتنا، هل رأينا حزناً بادياً على وجه صديق فسألناه ما به، هل أشعرناه أننا نهتم، وأننا بجانبه وعلى استعداد لفعل أي شيء لنُزيل عنه بعضاً مما نزل به، أم تعاملنا مع الناس على مبدأ: لا يهمني أحد ما دمت أنا بخير!

كان جابر يعرف أنَّ أباه قد ماتَ شهيداً دفاعاً عن دينِ الله وشريعته، وأن آخر لحظات عمره كانت تحت راية النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويا لها من خاتمة، ولكن كل هذا لم يلغِ أنه يحتاج من يذكره بفضلَ أبيه، فلا شيء يرمم فقد الدنيا سوى معرفة أن الآخرة خير منها وأبقى، فإذا عزيت أهل عزاء بفقيدهم ذكرهم بحسناته وأخلاقه في الدنيا، وأن المؤمن إنما ينتقل من جوار الناس إلى جوار الله، هذا وحده يبلسم الجرح!

في الحديث لا يذكر جابر أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قضى دين أبيه، ولكنه عليه السلام قد فعلَ، ليس مع جابرٍ فقط، وإنما حين كثر المال كان يقول للمسلمين: من تركَ مالاً فلورثتِه، ومن تركَ ديناً فعلينا!

أحياناً يموت الناس في المستشفيات، ويتركون وراءهم حساباً ثقيلاً لا يستطيع الأهل تسديده، وأنت أعلم بحال الميت وأهله، فإن علمت فيهم فقراً، وقلة ذات يد، سلهم إذا ما كانوا يحتاجون شيئاً، والأنبل لو بادرت بالمساعدة من غير سؤال إذا غلب على يقينك أنهم أهل حاجة، فلا يجتمع عليهم ألم الفقد، وثقل الدَّين!

~~
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 04-03-2020, 01:53 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي



9⃣

✍قُمْ أبا تُراب!

كان وصَّالاً للأرحام، يزور بناته، ويُلاعب أحفاده، ويُلاطف أصهاره، ويُكرم أنسباءه، وجاء مرةً لزيارة فاطمة ابنته وقطعة قلبه الفُضلى، فلم يجد علياً في البيت، فسأل عنه، فأخبرتْه أنه قد حدث بينهما خلاف فخرجَ من البيت!
فتركها ومضى، وطلب من رجل أن يبحث له عن علي، فعادَ إليه وأخبره أنه نائم في المسجد، فذهب إليه، فإذا هو نائم واضع خده على الأرض وعليه بعض التراب،
فقال له: قُمْ أبا تُراب! وجعلَ يمسح بيده الشريفة التراب عن وجهه!

لم يسأل فاطمة عن الخلاف الذي وقع بينها وبين زوجها، ولم يطلب منها أن تُخبره بما قالت له، ولا ما قال لها، أراد أن يعلِّمنا أن البيوت أسرار، وأنّ تدخُّل الأهل في كل صغيرة وكبيرة في حياة الزوجين يفاقم المشاكل، فلا تُحاولوا كشف ما ستره الله، دعوا الأزواج تتخاصم وتتصالح!

الخلافات الزوجية تقع في كل البيوت وهذا شيء طبيعي وعادي جداً، هذه فاطمة سيدة نساء العالمين، وهذا علي خليفتنا الراشد، ومع هذا وقع بينهما خلاف فما بالك بنا نحن الذين دونهم، فانظروا إلى المشاكل على أنها جزء من الحياة، تقع وعلينا أن نحلها ونتعلم دروساً منها، لا أن نفرط عرى الأُسرة، ونُشرد الأولاد، ونصبح علكةً في كل فم!

وانظُر إلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، يذهبُ إلى علي ويترفَّق به ويسترضيه، ولا يُعاتبه عما حدث بينه وبين ابنته، حتى أنه لم يسأل ما الذي حدث، وهذا درس بليغ للأهل في أن لا يتحزَّبوا لأولادهم عندما تقع الخلافات الزوجية، ولا يصبوا الزيت على النار، على العكس يجب أن لا ينسى أهل الزوج معروف كِنتهم السابق وماضيها ومواقفها النبيلة معهم، ويجب على أهل الزوجة أن لا يجعلوا من زوج ابنتهم شيطاناً رجيماً لمجرد خلاف وقع بينه وبينها!

ويُعلِّمنا عليُّ درساً هاماً أيضاً في أدب الخلاف، ومشاكل البيوت، لقد خرجَ من البيت تاركاً فاطمة لتهدأ، نحن في غضبنا نقول أشياء مُؤذية، ونسمع من الآخر أشياء تُحزننا، فالأفضل إذا وقع الخلاف أن لا نقف كالديوك المُتصارعة قبالة بعض، هذا يسمع ويرد، وذاك يسمع ويرد!

ويُعلِّمنا عليُ درساً آخر أيضاً، لقد خرج هو من البيت ولم يطرد زوجته منه كما يفعل كثير من الأزواج اليوم جاهلين أن خروج الزوجة من البيت يُفاقم المشاكل، وهو أمرٌ جارحٌ لها ولأهلها، ناهيك عمَّا فيه من فضح الأُسرة ونشر غسيلها أمام الرائح والغادي! فإذا وقع بينكما خلاف واحتدم اتركها في البيت واخرج، وعد في المساء، أو نَمْ في بيت صديق لك أو في فندق إن بدا لكَ أنَّ هذا أفضل. وهي حتماً ستهدأ ويعز عليها غيابك، وتُقدِّر لك أنك تركتها في بيتها مُعزَّزة مُكرَّمة!
~

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 04-03-2020 الساعة 01:54 AM
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04-04-2020, 12:36 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,830
افتراضي


🔟
✍ إنها كانت تُحبُّ خديجة!

كانتْ في الأربعين من عمرها وكان هو في الخامسة والعشرين! كانتْ حنونة تُغدِقُ عليه كلَّ قلبها فتُشعره أنها في مثل سنِّه، وكان حكيماً ناضجاً إلى الحد الذي يُشعرها أنه في مثل سنِّها!
كانتْ ثرية جداً ولكنها كانت تُشعره أنه عندها أغلى ممَّا تملك، وكان فقيراً ولكن كان يُشعرها أنها أغلى عنده ممَّا تملك!
فإن قيل لك أنَّ الحُبَّ يصنع المُعجزات فصدِّقْ!

وينزلُ الوحي، ويا لهول الموقف، لا بُدَّ له من ملجأ بعد هذا الذهول والبرد الذي أصابه، فلم يذهب إلى عمِّه الشجاع حمزة، ولا إلى عمِّه الحنون أبي طالب، ولا إلى صديقه الوفي أبي بكر، وإنما ذهب إلى خديجة، كان يعرفُ أنَّ عنده امرأة تُساوي جيشاً كاملاً ولقد كانتْ عند حُسنِ ظنه بها! هدَّأته، وذكَّرته فضائله، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل، فلما علمتْ أنه نبي كانت أول من أسلمَ من أهل الأرض!

وتموت خديجة… وتضيقُ الأرضُ عليه، فيأخذه ربُّه إلى السماء فيما يُشبه عزاءً لرجل مكلوم فقدَ حبيبته الحنون، وصديقته الرؤوم، وزوجته الوفيَّة! ويُهاجر ويتزوج ويبقى مكان خديجة في قلبه شاغراً لا يملأه أحد!

كان قد شارف على الستين حين رأى عجائز قد شارفنَ الثمانين فخلعَ رداءه ليجلسنَ عليه، وقال لمن حوله يُبدِّد استغرابهم: هؤلاء صُويحبات خديجة!

وتأتيه امرأة عجوز في بيته، فيهشُّ لها ويبشُّ، فتستغربُ عائشة كل هذا الترحاب، فيُعلِّل قائلاً: إنها كانت تأتينا زمان خديجة!
زمان خديجة! ألاحظَ أحدكم أنه كان يُؤرِّخ حياته بها!

وكان يذبحُ الشاة، ويُقطِّع لحمها ثم يقول: أعطوا منه صُويحبات خديجة!
ويقول أنس كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أُتِيَ بالشيء يقول: "اذهبوا به إلى بيت فُلانة فإنها كانت تُحِبُّ خديجة"!
إنه لا يُحبها فقط، بل يُحبُّ كل من أحبَّها!

مُخطئ من يعتقدُ أن الحُبَّ منقصة للرجولة، وأن إظهار الحُبِّ والاهتمام والوفاء ضعف في الشخصية، ها هو سيد الرجال يحبُّ خديجة حيةً وميتة، فلا تخجلوا بمشاعركم، عيشوها حتى آخر رمق، لا شيء في الدنيا أجمل من الحُبِّ الحلال!
مُخطئ من يعتقد أن القسوة هي التي تصنعُ منه رجلاً، بل الرجل بمقدار ما يلينُ ويعطِف ويُكرم ويُدلِّل، وإن حُسْنَ العهدِ من الإيمان كما قال سيدنا!
مُخطئ من يعتقد أن النساء لا يمشين إلا بالصوت والسوط، بالحُبِّ وحده يمكن امتلاك المرأة، بالحُب وحده!

~~
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

الساعة الآن 10:41 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
Powered & Developed By Advanced Technology