ملتقى قطرات العلم النسائي
 
 

الـــمـــصـــحـــــف الـــجـــامـــع
مـــصـــحـــــف آيـــــات
موقع الدرر السنية للبحث عن تحقيق حديث

العودة   ملتقى قطرات العلم النسائي > ::الملتقى العام:: > ملتقى عام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 04-15-2020, 03:49 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣1⃣

✍ ما ضرَّ عثمان ما فعلَ بعد اليوم!

كانتْ غزوة تبوك اختباراً عظيماً للمسلمين، ليس لأنها كانت غزوة مفصلية في تاريخ الإسلام فهي لم يحدث فيها قتال أساساً! وإنما كانت اختباراً عظيماً لأن الظروف وقتها كانتْ كلها بخلاف هوى النفوس، وبعكس الفِطرة التي فطر الله سبحانه الناس عليها، فالفصل صيف، والصحراء في الصيف لظى! الشمس حارقة والرمالُ ملتهبة! ناهيكَ أن المسير طويل فهي الغزوة الأبعد في تاريخ غزوات النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمسافة بين المدينة وتبوك تقريباً 630 كلم! وما زاد الطين بلة هو أن بيت المال كان وقتها فارغاً فلم يكن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يملك المال لتجهيز الجيش لذلك عرف ذاك الجيش في كتب السيرة (بجيش العُسْرَة) !
وكان من الطبيعي والأمر كذلك أن يحُثَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أغنياء المسلمين على الإنفاق لتجهيز الجيش، فجادوا ولم يقصّروا،

🍂غير أنَّ تلك الغزوة كانت غزوة عثمان بن عفان بامتياز، فعثمان الثري علِمَ أن الوقت وقته، وبيقين المؤمن الذي يعرف أنه وما يملكُ لله، تبرَّع للجيش بتسعمئة بعير، وخمسين فرساً، وحملَ ألفَ دينار وتوجهَ إلى المسجد حيث كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً يستقبل مُساهمات الأغنياء، فنثرها في حِجره!
👈🏻 فجعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقلِّب دنانير عثمان بين يديه ويقول: ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم!

🍂 الفكرة أن أسمى عبادة هي تلك التي تكون من جنس النعمة!
قيام الليل نافلة عظيمة، ولكن عبادة الأغنياء الأسمى ليست في قيام الليل وإنما في الصدقة، وإعانة المساكين، ومساعدة المديونين، والإنفاق على دور التحفيظ!
وصيام التطوع نافلة عظيمة، ولكن عبادة الأئمة الأسمى هي في قول الحقِّ ولو على قطع الرقبة، فإنَّ الناس إذا وقعت الفِتن، والتبس الحقُّ بالباطل، نظروا إلى علمائهم ليروا رأيهم، ويصطفوا باصطفائهم، وإن وقوف الإمام أحمد في وجه المأمون، ومن بعده في وجه المعتصم في فِتنة خلق القرآن أهم وأعظم من صيام ألف يوم تطوع، لأنه بكلمة الحق التي قالها حَفِظَ دين وعقيدة ملايين المُسلمين!
إنشاء الطرق للناس، وتأمين الرَّفاه الاقتصادي، ومجانية الاستشفاء والتعليم عمل نبيل من الحاكم تجاه شعبه، ولكنَّ عبادة الحاكم الأسمى هي في تحكيم شرع الله، والدفاع عن حُرمات المسلمين وديارهم!
إقامة مستوصف يُعالج الناس بالمجان عمل نبيل تُرفع له القُبعة، ولكن عبادة المفكرين والأدباء الأسمى هي تنوير عقول الناس، والدفاع عن عقيدتها، والذَّود بالحبر عن حياضِها، ففي الملمَّات يُوازي حبر الأدباء دماء الشهداء إن كتبَ حقَّاً، وقال حقَّاً!
ٱنظر إلى النِّعمة التي أعطاك الله إياها، تأمَّلْها جيداً، تعرِف العبادة الأسمى لكَ!
إن كنتَ غنياً لا تكنز مالك وتعزِّي نفسك بنوافل العبادات، ما يُقبل من الفقير لا يقبل من الغني! وإن كنت صاحب محراب ومنبر لا تخف برأيك وتعزِّي نفسك بعدد المصلِّين وراءك، إن الأئمة كالمظلات للناس والناس لا يحتاجون المظلات إلا وقت العواصف والمطر! وإن كنتَ صاحب فكر وقلم، فلا تعزِّي نفسك بعدد قرائك ونسخك التي تبيعها، عبادتك الأسمى أن تقول ما يجب أن يُقال، أن تكون لصيقاً بهموم أمتك، لا تكن مهرِّجاً كالداعية الذي يوم كانت تقصف غزة وحلب كان يحدثنا عن حكم المسح على الخفين!

~~
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 04-15-2020, 08:40 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣2⃣

✍تعلَّمْ لي كتاب يهود!

لمَّا قَدِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم المدينةَ المنورة، جاء بنو النجار بِزَيد بن ثابت إليه، ولم يكن يومها قد تجاوز السادسة عشرة من عمره، فقالوا: يا رسول الله، هذا زيد بن ثابت، يحفظ من القرآن ما يسرُّكَ! فاستقرأه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرأ له سورة "ق"، فأُعجب به، ولاحظ فيه ذكاءً وقاداً، وعقلاً مُنيراً، فقال له: يا زيد، تعلَّم لي كتاب يهود، فإني واللهِ ما آمنُ يهودَ على كتابي!
فما مضتْ خمسةَ عشر ليلة إلا وقد تعلَّمَ زيدٌ العبرية! فكان يكتب للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم، ويقرأ له رسائلهم إذا كتبوا إليه!

نحن لا نعيش وحدنا على ظهر هذا الكوكب، هناك شعوب وثقافات وحضارات ولغات أخرى نحتك بها، ونتواصل معها، ومعرفة هذه الثقافات، وإتقان تلك اللغات ضرورة حياتية وليست ترفاً فكرياً! على أنَّ إتقان تلك اللغات لأجل التواصل وتسيير أمور الحياة شيء، وإتقانها لأجل التباهي شيء آخر!
اللغة الإنكليزية اليوم هي لغة العلوم، وبها يدرس أغلب طلابنا خصوصاً في الاختصاصات العلمية، وتحصيل هذه الاختصاصات واجب، وتعلُّم الإنكليزية واجب على الطلاب الدارسين لأنَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب!
هذا حدُّ الموضوع لا أكثر، أما أن يتحدَّثَ عربيٌّ مع عربيٍّ ويضع بين كل كلمتين عربيتين كلمة إنكليزية أو فرنسية من باب التباهي، فهذه فيها من المياعة، والانهزام الثقافي والحضاري، أكثر مما فيها من العلم! هذا في حالة كان المتحدِّثان العربيان يُتقنان الإنكليزية، أما فعل هذا مع العوام ففيه شيء من الاستعلاء والغرور!

الذكاءات مُتعددة، هذه حقيقة تربوية لا جدال فيها، من الطلاب من لديه ذكاء لغوي رهيب ولكنه ضعيف في الرياضيات، ومنهم من هو عبقري في حل المسائل الفيزيائية، أو التعامل مع المعادلات الكيميائية، ولكنه لا يستطيع أن يحفظ فقرة من عشرة أسطر إلا بشق النفس! ومنهم من يجد حفظ عشر صفحات أيسر عليه من حساب مساحة مستطيل!
ودور الأهل والمدرسة معرفة المجال الذي يبرع فيه الطالب ثم توجيهه إليه، وهذا ما فعله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالحرف، فعندما لاحظ ذكاء زيد بن ثابت اللّغوي طلب منه أن يتعلَّم العبرية فتعلَّمها في وقتٍ قياسي! والشيء بالشيء يُذكر، يقول ابن كثير في البداية والنهاية: كان زيد بن ثابت من أشد الناس ذكاءً، تعلَّمَ لسان يهود في خمس عشرة يوماً، وتعلَّم الفارسية من رسول كسرى في ثمانية عشر يوماً، وتعلَّم الحبشية والرومية والقبطية من خُدَّام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم!

أفهمُ جيداً رغبة الأهل في أن يكون أولادهم أطباء ومهندسين، ولكن على الأهل أن يفهموا أن إجبار الأولاد على اختصاصات لا يجدون أنفسهم فيها هي ظلم لهم! ما أدراك لو أنه درس ما يميل إليه ويبرع فيه لفاقَ ألف مهندس وطبيب! تخيَّلوا لو أُجبر المتنبي أن يدرس الطب ويترك الشِّعر، حتماً لم تكن لتفرق كثيراً لو ازدادت البشرية طبيباً، ولكنها فاجعة لو خسرنا المتنبي!

~
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 04-17-2020, 01:07 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣3️⃣

✍اِعلَمْ أبا مسعود!

جاءَ بشريعةٍ مُتكاملة، وأرسى قوانين كثيرة، غير أنه كان يُريدُ من هذه الأُمَّة أن تعبد الله كأنها تراه، أن تفعل الخير طمعاً في المثوبة، وأن تترك الإثم خوفاً من الله لا خوفاً من الحدِّ أو القانون. وما يُسمِّيه علماء السلوك الاجتماعي اليوم 👈🏻"بالانضباط الذاتي" هو ما أخبرنا عنه النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قبل ألف وأربعمئة سنة مُجيباً جبريل على سؤاله:
👈🏻ما الإحسان؟ فقال له: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك!

يُحدِّثنا أبو مسعود البدري يقول: كنتُ أضرِبُ غلاماً لي بالسوط، فسمعتُ صوتاً خلفي: اِعلَمْ أبا مسعود! فلم أفهم الصوت من الغضب!
فلما دنا مني فإذا هو رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فألقيتُ السَّوط من يدي!
فقال لي: اِعلَمْ أبا مسعود أنَّ الله أقدرَ عليكَ منكَ على هذا الغلام!
فقلتُ: واللهِ لا أضربُ مملوكاً بعده أبداً، وهو حرٌّ لوجه الله
فقال: أما لو لم تفعل لمستكَ النار!

👈🏻ثمّة أشياء لا يحاسِب عليها القانون، ولا تعتبر في عرف المحاكم لا جرائم ولا جنَحاً، ولكن الله يرى، والملائكة تكتبُ، والمحكمة غداً، حين تُنشرُ الكتب التي لا تُغادر صغيرة ولا كبيرة!

▪إنَّ الزوجة التي تُسمعها كلاماً لاذعاً كالسياط لن تشكوك إلى المحاكم، وإنْ فعلتْ فلن تجد من القُضاة آذاناً صاغية، ولكن الله سبحانه وتعالى سمع شكواها، ورأى جرح قلبها وهو أقدر عليك منكَ عليها!
▪إن العامل البسيط الذي لم تدفعْ له حقه لن يجرؤ أن يقترب من مركز الشرطة ليشكوك، وربما إن تجرَّأ وفعل فستنجو منها وأنتَ صاحب العلاقات والواسطات، ولكن الله سبحانه قد علِم مظلمته، وسمعَ دعواه، وهو يجيب دعوة المظلوم الكافر على الظالم المُسلم لا حباً بالكافر، ولا بغضاً بالمسلم، ولكن حُباً بالعدل وبُغضاً بالظلم! فما بالك لو كان المظلوم مُسلماً، فسجدَ ثم قال: اللهم إني مغلوب فانتصر! دعاء نوح عليه السلام الذي يوم استجاب الله له أغرقَ الأرض كلها نصرةً له!

▪أولادك الذين ميزتَ بينهم في المعاملة في حياتك، وفي الميراث في مماتك، لن يرفع المظلوم منهم دعوى سوء معاملة، محاكم البشر لم تنشأ لهذه القضايا، والميراث الذي جعلته عقد بيع وشراء لتحرمَ ولداً وتعطي آخر تعترف به السجلات العقارية، ولكن تذكر أنه ليس المهم ما تكتبه السجلات العقارية وإنما ما تكتبه الملائكة!

👈🏻مما يشاهد في الحياة عَياناً أن الأقوياء إذا تخاصموا أركنهم الله إلى الأسباب، وحظُّ كل واحد منهم من النصر مقدار ما أخذ من السبب، ولكن حين يظلم القوي ضعيفاً لن يموت القوي قبل أن يقتصَّ الله تعالى للضعيف منه، فإياك أن تخاصم وتظلم هؤلاء الذين ليس لهم إلا الله!

~
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 04-17-2020, 11:06 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣4️⃣

✍على رِسْلِكُما!


👈🏻تُحدِّثنا أُمنا صَفيّة بنت حيي قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعتكفاً في المسجد، فأتيت أزوره ليلاً، فحدثته، ثم قمت لأنصرف، فقام معي ليُوصلني، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أسرعا. فقال لهما: على رِسْلِكُما هذه صفية بنت حُيي!
فقالا: سبحان الله يا رسول الله! يُريدان أن يقولا وهل أنتَ موضع شك يا رسول الله!
فقال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً!

👈🏻موقفان عظيمان تأمَّلْهما:

🍂الأول: المدينة أمان، ولو عادت صفية وحدها في الليل ما تعرَّض لها أحد، ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقطع اعتكافه، ويقوم ليوصلها إلى بيتها، هو يعرف أنها تعرف الطريق وإنما أراد أن يقول لها: أنا أهتمّ! أحياناً ليس عليكَ أن تقول لها أُحبكِ، ثمة مواقف صغيرة، تفاصيل حياتية عادية أبلغ من ألف كلمة أحبكِ! هل جربت أن تضع لقمةً في فمها، أو تُمسك يدها وأنتَ تعبر بها الشارع، أو تخلع سترتك وتضعها على كتفيها في ليلة باردة، ثمة أشياء لا تكلفك الكثير، ولكنها تعني لها كثيراً!

🍂الثاني: رغم أنه فوق الشكوك، وأنه نقي كماء زمزم، وتقي كما لم يسبق لإنسان أن يكون بتقواه، إلا أنه يستوقف الرجلين ويُخبرهما أنَّ هذه المرأة التي معه هي زوجته صفية!👈🏻 أراد أن يعلِّمنا أن الإنسان لا يكفي أن لا يفعل الحرام وإنما لا يضع نفسه في موقف يظنُّ منه الناس أنه واقع في الحرام!
لا تلقِ نفسك في مواطن الشبهات كي لا يرميكَ الناس بسوء الظنِّ، طبيعة النفس البشرية أنها تحمل المواقف البشرية على الظنِّ السيء، فعلى سبيل المثال لا تجلس على مائدة يُدار عليها الخمر ولو كنت تُريد أن تنصح، لأن الذي يراك لن يشك لحظة أنك لا تشرب معهم! للنصح وقته ومجاله.
بالمقابل تخلَّ عن ظنك السيء بالناس، من تكلَّم مع فتاة هي ليست بالضرورة حبيبته، والرواية التي ألَّفتها في رأسك قد يكون الشيطان هو الذي أملاها عليك!
كل شخص رأيته يحادِث عاصياً ليس بالضرورة مثله!
الحياة أحياناً كالسوق قد يجتمع فيه اثنان لا علاقة لهما ببعضهما، ودكان البنادق يشترى منه بنادق للصيد وبنادق للقتل فلا تدخل في نوايا الناس!
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 04-19-2020, 01:56 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣5️⃣

✍فلا تُقْدِمُوا عليه!

خرجَ عُمر بن الخطاب من المدينة يُريدُ الشَّام، فلما صارَ في منطقة يُقال لها سَرْغ، لَقِيَهُ أبو عبيدة بن الجراح وأُمراء الجند، وأخبروه أن الطاعون قد وقع في الشام. فدعا إليه المهاجرين، فمنهم من أشار عليه أن يرجع إلى المدينة، ومنهم من أشار عليه أن يمضي في مسيره! فقال لهم: ارتفعوا عني! ثم دعا الأنصار واستشارهم، فإذا هم كالمهاجرين على رأيين أحدهما العودة إلى المدينة، والآخر بالمضي قُدُماً! فقال لهم: ارتفعوا عني. ثم دعا شيوخ قريش الذين أسلموا بعد الفتح فاقترحوا عليه أن يرجع إلى المدينة فهو أمير المؤمنين ومن معه بقية صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وليس الأمر حثيثاً يدعو للمُخاطرة، فأخذَ برأيِهم!

👈🏻فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدرِ الله يا أمير المؤمنين؟!
فقال له عمر: لو أنَّ غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان عُمر يحبُّه ويكره خلافه، ثم قال له: لو كان لك إبل فهبطتْ وادياً فيه مكان خصيب ومكان جدب أليسَ إن رعيتَ في الخصيبِ رعيتَ بقدرِ الله، وإن رعيتَ في الجدبِ رعيتَ بقدرِ الله؟!
ثم أمر الناس أن يستعدوا للعودة إلى المدينة،
👈🏻 وفي هذه الأثناء حضرَ عبد الرحمن بن عوف وكان متغيّباً لبعض حاجته، فقال: إنَّ عندي من هذا علماً، سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول عن الطاعون: ▪"إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تُقدِموا عليه، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه"! فحمدَ عمرُ اللهَ تعالى أن أراه الحقَّ وهداه إلى السُّنة، ثم مضى بالناس عائداً إلى المدينة!

هذه هي سُنَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عند انتشارِ الأوبئة، أن لا يسافر الإنسان لمكان موبوء، وأن لا يخرج من مكانٍ ضربه الوباء، والسبب قد أقرَّه الطب بعد 1400 سنة من حديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو أن للأمراض فترة حضانة، وهي المدة التي تقع بين إصابة المريض بالمرض وظهور عوارض عليه، وهذه تختلف من مرض إلى آخر، فالإيدز مثلاً قد يصاب به الإنسان ولا تظهر عوارضه إلا بعد سنوات، أما فايروس كورونا ففترة حضانته أسبوعان، وقد يحسب المرء أنه معافى منه فينقُله معه إلى بلد آخر، وقد يكون سليماً ويلتقي في سفره بإنسانٍ لم تظهر عليه العوارض بعد فيُصاب ويرجع إلى أهله حاملاً المرض!

والحرص مطلوب، والأخذ بالأسباب واجب ، وتجنب أماكن الزحام في هذه الأوضاع أولى، ومن شكَّ بعوارض المرض فليعتزل حتى المساجد !

▪بقي أن نُشير أن هذا الفايروس الذي انتشر إنما هو خلق من خلقِ الله، ناصيته بيده سبحانه مثلنا تماماً! إنه يعمل بأمرِ اللهِ لا بأمر نفسه، وإنَّ الله سبحانه لا يخلق شيئاً إلا لحكمةٍ ولو غابتْ عنا وعجِزنا بأفهامنا المحدودة أن نُدركَ حكمته جلَّ في علاه، صحيح أنَّ الهلع والخوف فطرة بشرية لا شيء فيها، واتِّخاذ التدابير الوقائية وسبل السلامة أمر واجب في هذه الحالات، إلا أنَّ هذه الحوادث والأوبئة فرصة لنتذكَّر عظمة هذا الرب وقدرته، لقد قام هذا الكوكب واستنفر من مشرقه إلى مغربه بسبب فايروس لا يرى بالعين المُجردة، جنديٌ واحد من جُنود الله، جعلنا نُدرك كم نحن ضُعفاء ونُعيدُ بُوصلة العقيدة إلى اتجاهها الصحيح إلى الله القوي والقادر!

▪إن البلاء لا ينزل إلا بذنب، ولا يرتفعُ إلا بتوبة، وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنه في سنة 478 للهجرة كثُرَتْ الأمراض بالحمى والطاعون في العِراقِ والشَّامِ والحِجَاز، وماتتْ الوحوش في البراري، ثم تلاها موت البهائم، وماتَ خلقٌ كثير، فأمرَ الخليفة المُقتدي بأمرِ الله بتجديدِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكسر آلات الملاهي، فانجلى ذلك الطاعون، وذهبتْ تلك الأمراض!
عافانا الله وإياكم، وسلَّمنا من كل سوء!
منقول

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 04-19-2020 الساعة 02:02 AM
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 04-20-2020, 12:31 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

[
2⃣6️⃣

✍ زادكَ الله حرصاً ولا تعد!

إنْ سُئِلتَ عن أجمل مديح في التاريخ فقُلْ دون تردد هو قول الله سبحانه في عبده ورسوله "وإنك لعلى خلق عظيم". ذلك أنَّ الناس تُغالي حين تمدح، إما أن تغلبها العاطفة، والحب يعمي عن المعايب، أو تمدح طمعاً في العطاء! أما مديح الله سبحانه وتعالى فهو مديح من يعلم لمن يستحق!
👈🏻 ولو قال ربنا سبحانه "وإنكَ لعلى خلق" لكانت مديحاً مهولاً، فكيف وقد تكرَّم على عبده ووصفَ خلقه بالعظيم!

▪على خلقٍ عظيم كان، في رضاه وغضبه، في سِلمه وحربه، في إقامته وسفره، مع الكبير والصغير، ومع الصاحب والعدو! كان دائماً يبحثُ عن شيء جميل ليُثني به على الناس، حتى في مواقف الخطأ، فكثيراً ما كان يُطيِّبُ الخاطر قبل أن يُدلي بالنصيحة!

👈🏻دخل أبو بكرة يوماً المسجد يريدُ الصلاة خلفَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فإذا هو في الركوع والمُسلمون خلفه كذلك، فلما شعر أبو بكرةَ أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يريد أن يرفع رأسه من الركوع، دخل في الصلاة على عجل وركعَ قبل أن يصل إلى الصف ويقف بين المصلين، فلما انتهت الصلاة، تقدم أبو بكرة منه، وأخبره بالذي كان منه، فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: زادك الله حِرصاً، ولا تعد!

▪اُنظُرْ لأدب النصيحة، لم يقُلْ له ما كان ينبغي لكَ أن تركعَ قبل أن تقف في الصف، ولم يقل له لِم أنتَ عجولٌ يا أبا بكرة، ولم يقل له إياك أن تكررها مرةً ثانية إنها ركعةً وكان بإمكانك أن تصليها بعد أن أُسلِّم!
👈🏻لقد بدأ بالإيجابيات، زادكَ اللهُ حرصاً، أثنى على حرص أبي بكرة في إدراك كل الركعات خلفه، ثم علَّمه الصواب! والإنسان إذا تلقى مديحاً أولاً يكون على استعداد أن يتقبَّل النقد بعدها بصدرٍ رحبٍ، هذا مبدأ عظيم في التعامل مع الناس فانتبهوا له جيداً!

إذا أقمت في بيتك مأدبةً، ولاحظت أن أحد الأطباق كان الملح فيه ظاهراً، فقُل لها لاحقاً حين تخلو بها، باركَ الله بكِ، كان الطعام لذيذاً، أنتِ طاهية ماهرة، ولكن الطبق الفلاني كثير الملح، انتبهي له في المرة القادمة! هي ستتلقى ملاحظتك ببساطة وصدر رحب! أما لو قلتَ لها مباشرة الطبق الفلاني مالح كثيراً فأنت هنا حطمتها، لقد جعلتها تشعر أن كل الذي قامت به سيء!

إن كان عندكَ موظف يتأخر، وأردتَ أن ينضبط، فلا تقُلْ له فوراً كفَّ عن التأخر! ابتعد عن أسلوب التهديد وتخويف الناس، يمكنك ببساطة أن تأسر قلبه لو قلت له، أنت موظف جيد، وتقوم بعملك بكفاءة، ولكن عليكَ أن تلتزم بوقت الدوام، أُريدك قدوة لزملائك، لاحظ الفرق بين الأسلوبين، ثم لاحظ بعدها النتيجة!

▪عندما نبدأ إعطاء الملاحظات والنصائح مباشرة، نجعل الآخرين يبنون بيننا وبينهم سداً منيعاً، ويسمعون كلامنا من أُذن ويُخرجونها من الأُذن الأُخرى، ولكن عندما نذكِّرهم بإيجابياتهم قبل سلبياتهم تقع النصيحة في قلوبهم مباشرة!
منقول

___


التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 04-20-2020 الساعة 12:34 AM
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 04-21-2020, 12:43 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣7️⃣

✍لعلك ترزق به!

النَّاسُ هم النَّاسُ في كل عصر، أكثر ما يشغلهم الرِّزقُ والمالُ وتحصيلُ المعيشة، فطرة الله التي فطرَ عليها الناس! وقد قال سبحانه في مُحكم التنزيل عن الإنسان "وإنه لحُبِّ الخير لشديد" وجمهور المفسرين على أن الخير في الآية هو المال! على أنَّ جمع المال ليس عيباً، والغِنى ليس سُبةً، ونِعمَ المال الحلال في يد العبد الصالح، المهم أن تملكَ أنتَ المالَ لا أن يملككَ! وأن يكون لكَ خادماً لا سيداً، وأن تضعه تحت قدميك ليرفعكَ لا فوق رأسك ليخفضك!

كان في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخوان، أحدهما له مهنة يتكسَّبُ منها، والآخر لا مهنة له، يحضرُ مجلسَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويأخذ منه الحديث والقرآن! وكان الذي له مهنة يُنفقُ على نفسه وعلى أخيه، ثمَّ إن صاحبَ المهنة أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يشكو إليه أخاه!
فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!

الحديثُ ليس تشجيعاً على البطالة، وعلى أن يكون الإنسان عالة على غيره، على العكس تماماً إن الأحاديث التي تحثُّ على العمل والاجتهاد، وتُثني على من يأكل عمل يديه كثيرة، ولكن مثل هذه الأحاديث إنما تُقال للأخ الذي لم يكُن له عمل، ولا تُقال للأخ صاحب المهنة لأن فيها تحريضاً له على ترك أخيه، ما يُقال للمُنفق ما قاله النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلَّكَ تُرزقُ به!

العمل سبب للرزق، ولكن الرَّازق هو الله، وما أدراك أن الله قد فتحَ لكَ باب الرِّزق في عملك لا بسبب جدك واجتهادك، وإنما بسبب أبوين تُنفِقُ عليهما، وابنٍ ذي عاهةٍ لا تتأففُ منه، وفقيرٍ خصصتَ له مبلغاً شهرياً، ومريضٍ تكفلت بدوائه الدائم! ما أدراك أنَّ الله قد جعلكَ باباً وسبباً يرزقُ به عبداً من عباده، وأنتَ تُرزقُ لتُعطي، يريدُ الله أن لا يقطع عنكَ الخير لتجود به، وتُمرره لغيرك!
أنتَ أضعف من أن ترزق نفسكَ، ومن باب أولى أشدُّ ضعفاً من أن ترزق غيرك، وأنه سبحانه حين جعلكَ سبباً في رزق غيرك فقد تكرَّمَ عليكَ واصطفاكَ لهذا العمل، فهو قادر أن يرزقه ويُغنيه عنكَ، فما حرمه الرزق المباشر الذي يقع في يده عن فقرٍ منه سبحانه، ولكنه جعل الناس لنا أبواباً إلى الجنة فلا تُغلقْ باباً فتحه الله لكَ، لعلكَ إن أغلقته أحوَجَكَ إلى غيرك، كما أحوجَ غيركَ إليكَ أولاً، فأعطِ واحمدْ ربَّكَ أن جعلكَ عبده المُعطي لا عبده الآخذ!
كان عبد الله بن جعفر من أكثر الناس صدقةً، يُعطي الفقراء بشكلٍ جعلَ حتى أقرب المقربين منه يلومونه، أن أعطِ أقلَّ من هذا، فقال لهم: لقد عوَّدَني اللهُ عادةً، وعوَّدتُ عبادَه عادةً، فأخشى إن غيَّرتُ عادتي أن يُغيِّرَ الله عادته!
فهمٌ دقيقٌ وعميقٌ لقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لعلكَ تُرزقُ به!

___منقول
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 04-22-2020, 12:46 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

2⃣8️⃣

✍أخطأ من شدة الفرح!

لطالما كانت القصص والأمثالُ مطيَّةً لتقريب المعاني، ولأنها كذلك فقد كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يكثر أن يحدِّثَ بها أصحابه، فأرادَ مرةً أن يُخبرهم عن حبِّ اللهِ سبحانه للتائب وفرحه بتوبته، فأخبرهم أنَّ الله أفرح بتوبة عبده من رجل كان في صحراء، وكانت معه ناقته التي عليها طعامه وشرابه ومتاعه، ثم لما اشتدَّ الحرُّ، أوى الرَّجُلُ إلى شجرة يتفيَّأ ظلالها وينام قليلاً، ولكنه نسيَ أن يُحكم ربطها، فلما نام شردتْ الناقة، فلما استيقظ ولم يجِدْها أخذ يبحثُ عنها يميناً وشمالاً ولكن دون جدوى، ولما يئِس أن يجدها قال في نفسه: أرجعُ إلى المكان الذي كنتُ فيه فأنام حتى أموت! فلما نام ما شاء الله له أن ينام، استيقظ فإذا ناقته عند رأسه، فقال من شدة الفرح: "اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك"!
وجعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: أخطأ من شدة الفرح!

اُنظُرْ لحكمة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ضرب المثل، لقد اختارَ قصةً من بيئة القوم الذين يُحدثهم، فهم يعيشون في الصحراء، ويُسافرون قاطعي الفيافي والقفار، ويعلمون ما تعني الناقة التي عليها الزاد والماء، ويعلمون أن فقدها يعني الموت المحتَّم، ويعلمون بالتالي مقدار فرح المسافر بالعثور على ناقته بعد فقدها، لهذا وصلتْ الفكرة التي أراد أن يُوصلها إليهم بيُسر وسلاسة.

لهذا على الدُّعاة والمُربِّين أن يُخاطبوا الناس بحسب واقعهم، وبالشيء الذي يفهمون به، فالمثل الذي يُعطى لطلاب الجامعات في محاضرة قد لا يناسب العَوَام في المساجد، والقصة التي تُقال للمرأة في الأربعين مثلاً لا تُقال للطفلة في العاشرة، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُخاطب الناس على قدر عقولهم"! وعقولهم هذه تشمل لُغاتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وواقعهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي!

أخطأ من شدة الفرح!
إن قول الرجل لا شك أنه في ظاهره كفرٌ بواح! ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أراد لنا أن نلتمس العُذر للناس في بعض المواقف! يمرُّ الإنسان بأطوار نفسية قد يفقدُ فيها زمام عقله، فلا يعود ذلك الشخص الذي نعرفه، فالمُصيبة أحياناً تُفقدُ الإنسان صوابه، وربما قال فيها كلاماً جارِحاً لمن حوله، فلا يجب مُؤاخذته خصوصاً إذا كنا نعرف أنَّ هذه ليستْ حاله، وأنه في ظروفٍ طبيعيةٍ ما كان له أن يقول ما قال!
والفرح أحياناً كالمصائب يُفقدُ الإنسان صوابه، فتجده في حالة من عدم الاتزان، وقد يقول ما لم يكن له أن يقوله في حالة استقرار نفسي! فقدِّروا ظُروف الناس واعلموا أن النفس البشرية أطوار، جبال ووِهاد، مرةً في الأعلى ومرةً في الأسفل، وكما قال مصطفى محمود: نحن لا نملكُ أكثر من أن نُهوِّن على بعضنا الطريق!

بالمُقابل علينا أن نُحاول أن نملك زمام أنفسنا ما استطعنا حين نكون في حالة نفسية استثنائية، ومن أجمل ما قال الأوائل:
لا تقطع وعداً وأنتَ سعيد، ولا ترُدْ وأنتَ غاضب، ولا تُقرر وأنت حزين!
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 04-23-2020, 12:25 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣9️⃣

✍كان زكريا عليه السلام نجاراً!

قالَ مرةً لأصحابه: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم
فقالوا: وأنت يا رسول الله؟
قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط/أُجرة لأهل مكة!

وكان يحِب أن يكون للمرءِ مهنة يكتسب منها قوته، فقال: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده!
وحدثهم مرة فقال: كان زكريا عليه السلام نجاراً!

ويقول عمر بن الخطاب: أرى الرجل فيعجبني، فأسأل هل له مهنة؟ فإن قيل لا، سقط من عيني!
وقال الأوائل: ليس هناك مهنة حقيرة، وإنما هناك أُناس حقيرون!
إن من دلائل عظمة الله، أنه أحاج الناس للناسِ، واستغنى هو عنهم جميعاً! الطبيب يحتاج النجار، والحداد يحتاج المزارع، والتاجر يحتاج العتال، ولا يستغني أحد عن الخباز!
الفكرة أن كل عملٍ يدر دخلاً حلالاً هو عمل نبيل، وصاحبه يستحق الاحترام أن أغنى نفسه أن يكون عالةً على غيره!
لا شيء في أن يسعى المرء إلى وظيفة مرموقة، وليس على المرءِ حرج إذا أراد من ابنه أن يكون الطبيب لا الخباز، والمهندس لا الإسكافي، ولكن العيب أن يحتقر الخباز والإسكافي بعد أن صار طبيباً!

🍂المهن في الأصل هي لكسب القوت وتأمين المعيشة وليس للتفاضل بين الناس، صحيح أن بعض المهن لها "برستيج" اجتماعي أكثر من غيرها، والناس ينظرون إلى أصحابها بعين إجلالٍ لا ينظرون فيها إلى غيرها، ولكن من الفهم السقيم للحياة، قياس الناس بحسب مِهنهم، وجعل قيمتهم بقيمة المناصب التي يشغلونها، والمال الذي يجنونه!
الأنبياء كلهم عملوا في رعي الغنم كما في الحديث، وداود عليه السلام كان يأكل من مهنة له، وزكريا عليه السلام كان نجاراً، فلا تخجل بمهنتك، ما دمت تكسب رغيفك بالحلال فارفع رأسكَ، وافخرْ بنفسك، ثيابك المتسخة ليست عيباً، العيب أن تكون ثيابك أنيقة وقلبك متسخ ومالك حرام!
الأيدي الممتلئة بالنُّدوب لكثرة ما تتعرض له من ضربات أثناء العمل هي شهادة في العصامية والاعتماد على الذات بعد الله، والأيدي المتسخة بالسواد والشحم والغبار صك براءة من البطالة والكسل!
سر الحياة ليس في أي مهنة تعمل، وإنما أن تكون مع الله، كما أمر وكما أراد في أية مهنة عملت، في الحياة نجد الطبيب المخلص والنجار الغشاش، ونجد المهندس المرتشي وعامل البلدية الشريف، والله لا يحاسب على المهنة وإنما على طريقة العمل بها!
أحقرُ الناس من إذا وصلوا إلى الجامعات خجِلوا بمهن آبائهم المتواضعة، بدل أن يفخروا برجالٍ بمهنٍ متواضعة استطاعوا أن يُوصلوهم إلى الجامعات! قرأت منذ أيامٍ عن فتاةٍ تخرجت من الجامعة، فطلب منها أبوها أن لا تذكر لأحدٍ أنه يعمل في البلدية كناساً للطريق، فلبست ثوب تخرجها، وذهبت إلى مكان عمله، وطلبت من أحدهم أن يصورها وهي تطبع على رأسه قبلة، ثم نشرت الصورة في مواقع التواصل، وكتبت هذا الرجل العظيم أبي!
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 04-23-2020, 10:10 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,009
افتراضي

🟢على منهاج النُّبُوَّة

3️⃣0️⃣

✍حتى تستكمل أجلها !

نادى نبينا صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحابه فقال : هلموا إليَّ.
فأقبلوا إليه فجلسوا. فقال: "هذا جبريل رسول ربِّ العالمين، روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملُوا في الطلب، ولا يحملنَّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإنّ الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته"!

◻️هنا بيت القصيد: حتى تستكمل أجلها!
إني لمّا تابعتُ انتشار "فايروس كورونا"، ورأيت الهلع في نظرات الناس، ونبرات أصواتهم، ومضامين كلماتهم، قلت في نفسي: يحتاج الناس في هذه الظروف لمن يربِت على قلوبهم، وينزل لهم العقيدة التي يؤمنون بها على الواقع الذي يعيشونه، فقد سيطر الخوف، وانتشرت الشائعات، وتنبأ الإعلام!

🔅إنّ الله سبحانه وتعالى قد كتب أعمارنا وأرزاقنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، فلن يموت إنسان قبل انقضاء العمر الذي كتبه له! تعالوا ننظر إلى الحروب المستعرة في هذا الكوكب، نجد في ميادينها الرجل الطاعن في السن قد نجا من آلاف القذائف، بينما نسمع عن طفل رضيع شرِقَ بحليب أمه ومات! الأول نجا من قصف الطائرات والمدافع ليشيخ لأن الله سبحانه قد كتبَ له عمراً عليه أن يعيشه رغماً عن كل شيء، والثاني مات في حضن أمه، أكثر الأماكن دفئاً وأماناً في هذا الكوكب، ذلك أن الله سبحانه قد قضى أن عمره عند هذا الحد! فاطمئنوا، لن يموت إنسان قبل أن يّؤدي مهمته التي خلق لها، وقبل أن يعيش عمره الذي كتبه الله تعالى له!

الخوف الذي يصيبنا شيء طبيعي، ولا علاقة له بقلة الإيمان، نحن نخاف لأننا بشر، والمؤمن نهاية المطاف إنسان يخاف على نفسه وأحبته، ولكنه يُؤدِّبُ هذا الخوف بالرضى، ويُحلِّي مُرَّه بالإيمان أنّ ما شاء الله كان، فلا تستخفوا بمخاوف الناس، ولكن بالمقابل لا تبنوا سجناً من الخوف، تحبسون أنفسكم خلف جدراته، فإن الخوف والقلق لا يمنعان ألم الغد، وإنما يُفسدان متعة الحاضر!

كلُّ ما يصيب المسلم مع الرضى له فيه أجر، حتى الشوكة يشاكها، وإن من رحمة الله بالمسلم أنه أحياناً يطهّره في الدنيا ليُقدِمَه عليه نقياً طاهراً!

لا تُوزِّعوا أقدار اللهِ على الناس، الأمراض الفتاكة تصيب الناس جميعاً، فتحصد المسلم والكافر، الطائع والعاصي، والبَر والفاجر، وقد مات أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس! مع التأكيد أنه من تمام العقيدة أن نعلم أنه قد يشترك الناس في سبب الموت ولكن شتان بين مصير المؤمن ومصير الكافر، فالعبرة ليست بسبب الموت، وإنما بما بعد ذلك !

الوقاية واجب، والإنسان مطالب بالحذر واتباع ارشادات الأطباء وأهل الاختصاص، كي لا يضُرّ نفسه وغيره، والإقبال على المهالك ليس من الإيمان في شيء، ولا من حُسْنِ التوكل، إنه من الحُمق والفهم الخاطىء للدين!
حفظنا الله وإياكم وجميع المسلمين.
منقول

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 04-23-2020 الساعة 10:13 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

الساعة الآن 02:32 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
Powered & Developed By Advanced Technology