ملتقى قطرات العلم النسائي
 
 

الـــمـــصـــحـــــف الـــجـــامـــع
مـــصـــحـــــف آيـــــات
موقع الدرر السنية للبحث عن تحقيق حديث

العودة   ملتقى قطرات العلم النسائي > ::الملتقى العام:: > ملتقى عام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 01-30-2020, 09:14 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣1⃣

ربِح البيع أبا يحيى!

كان الوقتُ قد حانَ للخروج من ضِيق الدَّعوة المكيَّة إلى سِعة الدولة المدنيّة، لقد تربُّوا فيها بما يكفي، وجازوا الامتحان الصَّعب، جعفرٌ خرج إلى الحبشة بمن معه مُؤثرين الدِّين على الوطن، وبلال مرَّغ كبرياء أمية بن خلف في التراب، وحمزة صفعَ أبا جهلٍ على وجهه، وعلي يفتدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويبيتُ في فراشه، وأبو بكرٍ يشتري رقيقَ المسلمين ويُعتقهم، ثم يسير رفقة صاحبه إلى المدينة إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدة ستُغيِّرُ وجه الأرض إلى الأبد!

لم تعُدْ مكة تُغري المسلمين بالبقاء فيها، حبيبهم في المدينة، وما يفعل المرءُ وحيداً دون محبوبه! بدأوا يخرجون واحداً تلو الآخر على غفلةٍ من قُريش، وها هو صهيبٌ يخرجُ قاصداً المدينة، غير أنَّ قُريشاً قد أحسَّتْ بخروجه فأرسلتْ في إثره نفراً يُعيدونه، فوقف قبالتهم وأخرجَ سهامه من كنانته، وقال لهم: يا معشر قُريش تعلمون أني أرماكم، واللهِ لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقيَ بيدي منه شيء!
فقالوا له: أتيتَنا صعلوكاً فكثُر مالك عندنا، ثم تُريدُ أن تخرجَ بنفسك ومالك، واللهِ لا يكون ذلك!
فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي هل تخلُّون سبيلي؟
قالوا: نعم

فدلَّهم على الموضع الذي خبَّأ فيه ماله بمكَّة، فتركوه يمضي في سبيله!
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم على علم بالحدث، جبريلُ ينقلُ إليه الواقعة، وينزلُ عليه بقول الله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد"!
ولما وصل صهيبٌ إلى المدينة، تلقَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بوجهٍ باسمٍ كأنه فلقة قمر، وقال له: ربح البيع أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى!

👈🏻ربحَ البيعُ لأنه التَركُ لله!
كل معصيةٍ تزينتْ لكَ، ولا يحول بينك وبينها إلا أنكَ ستتركها للهِ فاستشعر معها ربِحَ البيعُ، يُصبحُ التَّركُ وقتها لذةً أجمل من لذة الأخذ!
كل انتقام كان بإمكانك أن تنتقمه ولا يحول بينك وبينه إلا أنك ستتركه لله، استشعر معه ربحَ البيعُ، يُصبحُ العفو لذةً أجمل من لذة الانتقام!
كل مديون عجزَ أن يُسدد لكَ ما تبقى لكَ عنده، فآثرتَ أن تُسامح وتتصدَّق وتستر، بدل أن تفضحَ وتشكو، استشعرْ عندها ربِحَ البيعُ، ستُصبح لذة الصَّدقة أجمل من لذة استرداد المال!
كل مالٍ وضعته في يد فقير، وأنت تعلمُ أنك تضعه في يدِ الله أولاً، استشعرْ معه ربِحَ البيعُ، ستفوق لذة العطاء لذة الأخذ!
كل موقفٍ امتلأتَ فيه غضباً على زوجةٍ أو ولد، ثم استعذتَ باللهِ، وكتمتَ غيظكَ لوجه الله، استشعر معه ربِحَ البيع، ستصبح لذة العفو نصراً أجمل ألف مرةٍ من لذة أن تأخذ حقك بيدك!

~~~
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 02-02-2020, 12:39 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣2⃣

✍بئس أخو العشيرة!

كل كلامه حكمة، وكل موقف له درس، وكل لحظة من لحظات عمره يجب أن تُدوَّن بحبر من ذهب على صحائف من فضة، هو الرجل الذي لا يوجد منه في تاريخ البشرية إلا نسخة واحدة، وهذه حكمة أخرى، ودرس آخر، ولحظة يجب أن تُدوَّن!

كان يوماً جالساً في بيت عائشة، فاستأذن رجلٌ في الدخول عليه، فقال:

اِئْذنوا له بئس أخو العشيرة!
فلما دخلِ عليه ابتسم في وجهه، وألانَ له الكلام، فلما غادر الرجلُ، قالت له عائشة: يا رسول الله: حين استأذنَ عليك قلتَ الذي قلتَ، ثم تبسَّمتَ له وانبسطتَ إليه!
فقال لها: يا عائشة، متى عهدتني فحَّاشاً، إن شرَّ الناسِ عندَ اللهِ منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره!

👈🏻هذا درس بليغ في المُداراة! ويخلطُ الساذجون بين المُداراة والنفاق، وهذا خلطٌ مذمومٌ، وفهمٌ عقيمٌ لأدبيات التعامل مع الناس!
هناك تصرفات متشابهة قد تبدو لِلوهلة الأولى متطابقة، ولكن إذا ما تأملناها بعين الفراسة بدا لنا البون شاسعاً، وأن بينهما شعرةً رقيقة يا لحظ من أدركها فقد فهم الحياة!
👈🏻إن من يخلط بين المُداراة والنفاق كالذي يخلط بين البخيل والاقتصادي، وبين الجبان والحذِر، وبين المتهور والشجاع، وبين الوقح والجريء، وبين المُبذِّر والكريم!

▪قد يمنعك ظرف ما أن تقول للظالم أنه ظالم وهذه مُداراة، ولكن النفاق أن تصفق لظلمه!

▪ عدم قول الحق لا يعني الرضى بالباطل، الرضى بالباطل هو التصفيق له، والشد على يد أهله، على أنَّ الأصل هو قول الحق، ولكن الله أعلم بظروف العباد!

والأهم من هذا كله، احذر أن تكون أنت بئسَ أخو العشيرة!

أن يُداريك أبواك وينتقيا كلامهما معك خوفاً من سلاطة لسانك وسوء طبعك وقلة أدبك!
وأن تُداريك زوجتك لطول يدك!
وأن يُداريك أولادك لسوء خلقك!
وأن يُداريك جارك لأنه يعرف أنك كالعبوة الموقوتة لا أحد يعرف متى تنفجرُ في وجهه!
وأن يُداريك زملاؤك في العمل لأنك مؤذٍ وشرير لا يُؤتمن جانبك!
وأن يُداريك جلساؤك خوفاً من كلمة قد تصدر منهم عن أحدٍ فتحملها إليه لأنهم عهدوا فيك أنك تمشي بالنميمة بين الناس!

◻عندما يتحدث معك أبواك بأريحية، وتُجادلك زوجتك بأمان، ويُناقشك أولادك بسلام، ويتعامل معك جارك بتلقائية، ويتصرف معك زملاؤك ببساطة فأنتَ إنسان عظيم، وما كان هذا منهم إلا لأنهم علِموا حسن أخلاقك، المُهابُ أحياناً سيء الخُلق!

▪يُروى أن الخليفة المأمون نادى يوماً على غلامه ووجوه الناس وأعيانهم عنده، فلم يُجبه، فنادى ثانية فلم يُجبه، ثم في الثالثة خرج الغلام وقال: ما هذا القصر كلما غبتُ عنكَ ناديتَ يا غلام يا غلام!
فقبض المأمون على لحيته وصمت، وغطى الحاضرون وجوههم خوفاً من أن يضرب عنقه فيُصيبهم دمه! ولكنه رفع رأسه وقال: إن الملوك إذا حسنت أخلاقها ساءت أخلاق عبيدها، وإذا ساءت أخلاقها حسنت أخلاق عبيدها، وإني لا أشتري سوء خلقي بحسن أخلاق عبيدي!

~~~
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 02-04-2020, 01:49 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣3⃣

✍غارت أُمكم!

كان يقسِمُ المبيت بين نسائه، لكل واحدة منهنَّ ليلة، وكانتْ تلك الليلة ليلة عائشة، كان يجلس في بيتها وعنده بعض أصحابه الذين كانوا على موعد مع درس عظيم في الحياة الزوجية!

وتطبخ زينب بنت جحشٍ طعاماً، ولا تطيب نفسها أن تأكل حتى تطعمَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم منه، فتسكب له الطعام في صحنٍ لها، وتنادي على خادمها ليذهب به إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وهناك أصاب عائشة ما يُصيب الضرائر من الغِيرة، إنه بِعرفِ النساء اعتداءٌ على ليلتها، فتضرِب يد الخادم، ويقع الصحن وينكسر، وينسكبُ ما فيه على الأرض!

ضعْ نفسك مكانه! يا له من موقف محرج، زوجتك ترمي بصحنِ طعام أرسلته إليك زوجتك الأخرى أمام ضيوفك! لا شكَّ أنكَ قد شعرت بالإهانة، وأول ما ستفكر به أن تثأر لرجولتك، وستُعنِّفها أمامهم محاولاً أن تخبرهم بطريقة غير مباشرة أنك سيد البيت ولا ترضى بهذه المهزلة!
ولكن اُنظر إليه كيف تصرَّف، وتعلّم الدرس!

جلسَ على ركبتيه، وجمع أجزاء الصحن المكسور، ولملم الطعام عن الأرض، وقال لمن حوله مبتسماً: غارت أُمكم! ثم أبقى الخادم عنده قليلاً، ريثما تحضر عائشة صحناً بدل الذي كسرته وترسله مع الخادم إلى زينب!

حرب زوجية كانتْ على وشك أن تقع أطفأها بهدوئه واتزانه وفقهه، علِم أن المرأة تغار في مثل هذه المواقف، وأنها متى غارت تفقِد شيئاً من لياقتها وحسن تصرفها!

لم يُعنِّفها ليثبت رجولته، لقد أثبتها بطريقة أخرى، باستيعابه للموقف، باتزانه، وبرجاحة عقله!

إنّ الحياة تضعنا كل يوم أمام مشروع مُشكلة وقطيعة، ردُّ فعلنا هو الذي يجعلها مشكلة، أو يطفئ النار قبل أن تشتعل، ومخطئٌ من يظنُّ أن الحياة الزوجية ساحة حرب عليه أن ينتصر في كل معركة فيها، على العكس إن الحياة الزوجية لا تستمر إلا بالتغاضي، تغاضي الرجل وتغاضي المرأة، فلو وقفنا عند كل تصرف، ولو انفعلنا عند كل كلمة لأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق!

ثم اُنظرْ إليه، إنه لا يتغاضى عنها فقط، وإنما يلتمسُ لها العذر، لقد كسرت الصحن بدافع الغيرة! لقد راعى طبعها، فالذي يريد أن ينجح في الحياة عليه أن يفهم طباع الناس، أن لا يعامل الزوجة بنفس العقلية التي يعامل بها صديقه، وأن لا يعامل أولاده بنفس العقلية التي يُعامل بها زملاءه في العمل، لكل فئة عمرية، وكل طبقة اجتماعية، طبع ومشاعر مختلفة عن الأخرى، والذي يتعامل مع الجميع بعقلية واحدة كالطبيب الذي يعالج جميع المرضى بدواء واحد!

الغضب يعمي العقل، فلا تتحاورا في لحظة غضب، فالحوار في لحظة الغضب كمحاولة رؤية الإنسان وجهه على صفحة الماء وهو يغلي، دع الماء يبرد ويصفو ثم اُنظرْ إليه، وهكذا هي الحياة الزوجية!

~~
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 02-06-2020, 02:20 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣4⃣

✍ لكني أفقِد جليبِيباً!

كان جُليبيبُ دميم الوجه، قصير القامة، لا مال له! أي امرأةٍ تقبلُ بهذه المواصفات؟! لا حسن وجه يغطِّي على الفقر، ولا غنى يخفِّف شيئاً من الدمامة! كل ثروته في الحياة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُحبه، ويا لها من ثروة، لو حازها المرءُ ما ضرَّه ما خسِرَ بعدها، فالمرءُ مع من أحبَّ!

ثم ارتأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يبحثَ لجُليبيبَ عن زوجة، فقال لرجلٍ من الأنصار: زوجني ابنتك! فقال الأنصاري: نِعمَ عيني يا رسول الله!
فقال له: إني لستُ أُريدها لنفسي!
قال: فلمن يا رسول الله؟
قال: لجُليبيب!
فقال: حتى أُشاور أمَّها! فأتى زوجته، وأخبرها بالخبر، فقالتْ: لا واللهِ ما نُزوِّجه! فلمَّا أراد أن يقوم ويُبلغَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرارهما برفض جُليبيب، قالت لهما البنت: من خطبني منكما؟
فقالا: رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالت: أتَرُدُّون أمرَ رسول الله، قبلتُ، ولن يُضيِّعني الله!
وتمَّ الزواج، ثم كانت غزوة، وكان من عادة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا انتهتْ المعركة أن يقول: هل تفقدون أحداً؟ فقالوا: لا يا رسول الله
فقال: لكني أَفقِدُ جُليبيباً،
فابحثوا عنه بين القتلى!
فبحثوا عنه، فوجدوه إلى جانب سبعةٍ قد قتلهم، ثم قتلوه، فقالوا: ها هو يا رسول الله!
فأتاه، ووقف عند رأسه وقال: قتلَ سبعةً وقتلوه، هذا مِنِّي وأنا منه، هذا مِنِّي وأنا منه! ثم وضعه على ساعده ريثما يُحفر له قبر، فلما انتهوا، أنزله في قبره.

يُحسبُ للبنت أنها قبِلتْ طلب رسول الله وإن خالفَ هواها، ولكن هذا لا يُلغي أن من حق البنت أن تشترط الوسامة أو شيئاً منها في الذي ستتزوجه، وقد كان عمر بن الخطاب يقول: لا تُكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح، فإنهنَّ يُحببنَ ما تُحبون! وليس في هذا لا قلة أدبٍ ولا قلة دين، بالمناسبة عندما وافقتْ البنت على الزواج من جُليبيب، دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لها وقال: اللهمَّ صُبَّ الخير عليها صباً ولا تجعل عيشها كداً كداً! فكانتْ من أكثر النساء مالاً بعد جُليبيب!
أيضاً من حق الأهل أن يختاروا لبناتهم الأفضل وظيفةً وتعليماً، صحيح أننا أُمرنا أن نبحث عن الدِّين أولاً، ولكن إذا اجتمعتْ كل الصفات فنورٌ على نور، وهؤلاء صحابة، ولو رفضوا تزويج ابنتهم لجُليبيب ما أجبرهم النبي صلَّى الله عليه وسَّلم، ولا غضبَ منهم، لكل أُسرة معاييرها، فاحترموا معايير الناس!
على أهمية الشكل والأناقة والمال، إلا أنه هناك فارق شاسع بين البحث عن هذه الأشياء حين الارتباط، وبين جعلها معياراً للتفاضل بين الناس، ليس بالضرورة أن الأغنى هو الأفضل، فقد خسفَ الله بقارون الأرض، وليس صاحب المهنة مُستقبحاً وقد كان زكريا عليه السلام نجاراً. وكم من وسيم سيدخل النار، وكم من دميم هو من أهل الجنة! أن لا نقبل الارتباط بصفات دنيا شيء، وأن نحتقر الناس شيء آخر، الأمر أشبه بأنك تريدُ لابنك وظيفةً غير كناسٍ للطريق، ولكنك بالمقابل لا تحتقر كنَّاس الطريق!

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 02-06-2020 الساعة 02:20 AM
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 02-09-2020, 02:07 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣5⃣

✍ لا تبرحوا أماكنكم!

خرجتْ قريش من غزوة بدر مثخنة، ومرَّغ الإسلام كبرياءها في التراب، وقتل أبرز رؤوس الكفر فيها، لهذا لم تكن غزوة أُحد مجرَّد جولة ثانية من صراع الحق والباطل، كانتْ بالنسبة إلى قُريش تعني الثأر، أما المُسلمون فقد كانوا على موعد مع واحد من أبلغ الدروس في تاريخ الإسلام!

لاحظَ النبي صلى الله عليه وسلم ميمنة جيش قريش بقيادة خالد بن الوليد، فخشِي أن يلتفَّ بفرسانه من وراء الجبل ويصبح المسلمون بين فكَّي كماشة، فوضع سبعين من الرماة على الجبل، وأصدر إليهم أمراً عسكرياً واضحاً:
لا تبرحوا أماكنكم، إن رأيتمونا نُهزم فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا ننصر فلا تُشاركونا!

وبدأت المعركة، وأبلى المسلمون بلاءً حسناً، وذاقتْ قُريش بعض الذي ذاقته في بدر، فرَّ جنودها، وتبعهم المسلمون، ثم ظنَّ الرُّماة على الجبل أن الأمر انتهى، فنزلوا يُريدون الحظ من النصر والغنائم! عندها حدث ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يخشاه، التفَّ خالد بفرسانه وصار المسلمون بين فكَّي كماشة، وتحوَّل نصرهم إلى هزيمة، وتعلَّموا الدرس البليغ:

هذه الأُمة لن تُحقِّق النصر ما لم تلتزم بأوامر نبيِّها وقائدها!

فإن كانتْ غزوة أُحد قد انتهتْ فإنَّ مهمة الرُّماة الذين يحفظون ظهور المسلمين لم تنتهِ بعد، فطوبى للمُدافعين عن هذا الدين كل في مجاله، طوبى للقابضين على الجمر رافضي الانحناء والتلوُّن، كلما وهنوا قليلاً تعزّوا بصوت النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يُنادي فيهم: لا تبرحوا أماكنكم!
فلا تبرحوا أماكنكم!

الأمهات اللواتي يربين أولادهن على الصلاة والصيام والأخلاق، أنتنَّ تحمين ظهورنا فلا تبرحن أماكنكن!

الآباء الذين يسألون أولادهم عن جزء عمَّ كما يسألونهم عن علاماتهم المدرسية، أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المُدرِّسون الذين يُؤمنون أنَّ هذا الجيل إذا تربَّى جيداً يُمكن أن يخرج منه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مرة أخرى، أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المُوظفون الذين يُؤدون أعمالهم بمهنية وضمير، ويُراقبون الله قبل مدرائهم أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

المهندسون الذين يُشيِّدون الجسور ويشقون الطُرُق دون غش واحتيال وصفقات مشبوهة أنتم تحمون ظهورنا فلا تبرحوا أماكنكم!

فتيات الحجاب والعفة اللواتي يربين أنفسهن استعداداً لتربية أولادهن أنتن تحمين ظهورنا فلا تبرحن أماكنكن!

شباب صلاة الفجر، ومجالس الحديث، ودُور القرآن، أنتم ترسانة الإسلام الأفتك والأقوى، فلا تبرحوا أماكنكم!
كل واحد فينا لو تأمَّل موضع قدميه لاكتشف أنه جندي لأجل هذا الدين، وأنه لو حارب بشراسة وأمانة فإنه سيسد ثغراً هاماً، ويدفع خطراً عظيماً، كل واحد منا في مكان وضعه الله فيه، وألقى على كتفه مسؤولية وأمانة، فلا تبرحوا أماكنكم!
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 02-10-2020, 11:00 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي



1⃣6⃣

✍إنما أنا شافع!

كانتْ "بريرة" عبدةً مملوكة لأُناسٍ من الأنصار، وكان لها زوج اسمه مغيث، واشتاقتْ نفس بريرة للحرية فكاتبت أسيادها لأجل إعتاقها، وبعد أن تمَّتْ المكاتبة، وسدَّدتْ بريرة ثمن حريتها، كان أول قرار اتخذته أن تفارق زوجها مغيثاً! فالشرعُ يعطي الأَمَة خيار أن تبقى مع زوجها أو تفارقه إن هي تحرَّرتْ وبقيَ هو عبداً، وقد اختارتْ بريرة أن يكون فِراقاً!

وكان مغيث يُحبها حباً جماً، ويمشي خلفها في طرقات المدينة يستعطفها أن ترجع إليه فلا تلتفتُ له!

وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يسير في الطريق رفقة عمه العباس فرآهما على هذه الحال، فقال لعمِّه: يا عباس ألا تعجب من حب مغيثٍ بَريرة ومن بغض بريرة مغيثاً؟
وعندما يئِس مغيث من عودة بريرة إليه قصدَ النبي صلى الله عليه وسلم ليكلِّمها أن ترجع إليه، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في طلب بريرة وقال لها: يا بريرة لو راجعته فإنه زوجكِ وأبو ولدكِ

فقالت له: يا رسول الله تأمرني؟
فقال: إنما أنا شافع
فقالت: لا حاجة لي فيه!

من ناحية دينية فإن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو نبي هذه الأمة، ومن ناحية سياسية فإنه رئيس الدولة، ورغم هاتين المكانتين الساميتين لا يردُّ عبداً مملوكاً طلب منه خدمة! فهل مشينا نحن في حاجة ضعفاء المسلمين وفقرائهم أم تذرَّعنا بانشغالنا تارة، وبأنهم ليسوا على قدر مقامنا تارةً أخرى، ناسين أو مُتناسين أن كلنا لآدم وآدم من تراب!

وانظر لأدب بريرة لو أمرها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن ترجع إلى مغيث فإنها كانت سترجع رغم إنَّ رجوعها على غير هواها، فهل قدَّمنا شرع الله وأوامر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أهوائنا ومشاعرنا ورغباتنا، هل فعلنا الحلال الصعب على النفس، وتركنا الحرام الذي نميل إليه بنزعتنا الإنسانية لا لسببٍ سوى أن الله ورسوله أرادا أن نفعل ففعلنا وأن نترك فتركنا؟!

أنتَ مأجور على سعيك للإصلاح بين الناس ولو لم يتم الصلح، نحن لن نُحاسَب على النتائج إنما سنحاسب على ما فعلناه، ثواباً للخير ووِزراً للشر بغض النظر أثمر الخير أم لا، وآذى الشر أم لا، فلا يقُل لك الشيطان لا تمشِ في الصُّلح بين فلان وفلان لأنهما لن يقبلا وساطتك! ما ضرَّك إن لم يقبلا، لا تأخذ الأمر على محمل شخصي

هذا نبيُّ الأُمَّة لم تقبل امرأة كانت بالأمس مملوكة شفاعته، فلم يغضب ولم يحمل عليها!

هذا الدين كرَّم النساء، واحترم رغبات قلوبهنَّ، امرأة لا تُريد رجلاً فلم يُجبرها النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عليه، فعندما ترفضُ ابنتك عريساً فلا تُجبرها عليه، لأنَّ في هذا ظلم لها وله! وفيه عدم حفظ أمانة فالله سبحانه وضع ابنتك عندك أمانة وهو ينظر إليك ما تفعل بهذه الأمانة، فالله الله في قلوب النساء!

~~
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 02-13-2020, 10:52 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣7⃣

✍أومخرِجِي هم؟!

كانت الارض غارقةً بالضلال حتى أخمص قدميها، اللهُ يخلقُ ويعبد غيره، ويرزقُ ويُشكرُ سواه، أعراضٌ تُنتهك، وبنات توْأَدُ، وأُناس يُباعون في الأسواق! ثم شاء الرحيم أن يتلطَّفَ بالبشرية!

على مرمى سهم من الكعبة التي تعج بالأصنام، كان هناك رجل وحيد في غار حراء يتأمل السماوات والأرض، و يَعرفُ أنَّ دينَ قريشٍ باطل، و أنّ الله أجلُّ وأعلى من أن يرضى ديناً كدينها! كان مهيأً بإتقان ليستلم لواء البشرية و يغيِّر وجه العالم، ثم حانت اللحظة، وأُوقِدت أول شمعة في ظُلمة الأرض "إقرأْ"!

ويا لهول الوحي، ويا لرهبة الموقف! وينزل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته مرتجفاً يقول: دثِّروني، دثِّروني!

وعند خديجه المرأة التي لا يوجد منها في تاريخ البشرية إلا نسخة واحدة، يتلقَّى الحبيبُ أول سلوى! ضمَّته إلى صدرها،
وقالتْ له بقلبها على هيئة كلمات: واللهِ ما يخزيك الله ابداً، إنك لتصِلُ الرَّحم، وتصدُقُ الحديث، وتحملُ الكلَّ، وتكسب المعدوم وتُقري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق!

ثم أخذته إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلاً طاعناً في السن والحكمة، عالِماً بالتوارة و إلانجيل، حنيفاً على مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وقالتْ له اسمع من ابن اخيك!
فلما حدثه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بما كان بينه وبين جبريل، أخبره ورقة أن هذا هو الوحي الذي كان يأتي الأنبياء من قبله، وأنه سيكون النبيَّ لهذه الأمة! ثم قال له قولة الحكيم الذي يعرف سنَّة الله في الناس، وصراع الحق و الباطل على مرَّ التاريخ: ليتني فيها جذعاً، ليتني أكونُ حياً إذ يُخرجكَ قومُكَ!
فيسأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم بدهشة:

👈🏻أومُخرِجيَّ هُمْ؟!
فقال له: نعم، لم يأتِ رجلٌ بمثلِ ما جئتَ به إلا عوديَ!

وكأنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يومها يسأل: لمَ سيُخرجونني؟ ما الذنبُ الذي اقترفته، وما الجريمة التي ارتكبتها، أيُّ مالٍ أخذتُ، وأيُّ دمٍ سفكتُ حتى يُحال بيني وبين وطني!
ثم دارت الأيام، وأخبرتنا سيرته، أنه ما عودِيَ إلا لأنه جاء بالحقِّ، والحقُّ أثقل على الطغاة من
الجبال!

👈🏻ونحن اليوم بضعة منه، وبقية رسالته، وما تكالبتْ علينا الأمم إلا للحقِّ الذي معنا، وما أثقله عليهم!
فكلَّما ضاقتْ عليكم، كلَّما رأيتم البلاد تحاصر، والصورايخ تهدِم البيوت وتحصدُ الأرواح، كلما رأيتم الإعلام قذراً يريد أن يطفئ شمعتكم، ويُحرِّض عليكم، ويرميكم بِتُهمِ الإرهاب والرجعية والتخلُّف تعزُّوا بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم!
تخيلوه نازلاً من غار حراء يرتجفُ من هول الوحي، مُحاصَراً في شِعب أبي طالب، مرجوماً في الطائف، ممنوعاً من دخول مكة، مُتآمراً عليه ليُقتل ويتفرق دمه بين القبائل، مُطارَداً يوم الهجرة، مَاسحاً الدم عن وجهه يوم أُحد، شاكياً سُمَّاً دسَّته له امرأة يهودية، كم تعبَ ليكون لكم دين، فعُضُّوا عليه بالنواجذ!

~~
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 02-16-2020, 12:37 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣8⃣

✍إنها جرَّتْ بالرَّحى!

شكتْ فاطمة ريحانة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عليٍّ تعبها من عملها في البيت، فأخبرتْهُ أنها جرَّتْ بالرَّحى حتى أثَّرتْ في يدها، واستقت بالقِربة حتى أثَّرتْ في عنقها، وكنستْ البيت حتى اغبرَّتْ ثيابها!
فقال لها: لقد جِيء لأبيكِ بِسبي، فلو ذهبتِ إليه وسألتِهِ خادماً! فذهبتْ فاطمة إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فوجدتْ عنده أُناساً، فلم تُحدِّثه أمامهم، ولكنها أسرَّتْ لعائشة بسبب مجيئها، وعادت إلى بيتها!
فلما انفضَّ مجلس النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أخبرته عائشة بسبب مجيء فاطمة، فذهب إلى بيتها، وكانت وعلي قد أخذا مضجعهما للنوم، فاستأذن ثم دخل
فقال: ألا أدلّّكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أخذتما مضاجعكما، فكبِّرا ثلاثاً وثلاثين، وسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم!

هذه فاطمة سيدة نساء العالمين، وقطعة قلب أبيها، تطحن الحبوب بالرحى حتى تترك الرحى أثرها في يدها، وتحمل الماء إلى بيتها بالقرِبة حتى تترك القِربة أثرها في عنقها، وتكنس بيتها حتى يكسو الغبار ثيابها، فهل أنقص هذا من قيمتها عند زوجها، أو عند أبيها، أو عند ربها؟!

طبعاً لا شيء في أن تحصل المرأة على خادمة تعينها على عمل البيت، فهو والله عمل شاق صعب! ونبيلٌ هو الزوج الذي يكون في سعة مادية، وبحبوحة اقتصادية، فيحضر لزوجته خادمة تساعدها، والأنبل هو الأب الذي نظر في حال ابنة له، فرق لها وأحضر هو لها الخادمة، على أنَّ هذا لا يلغي أن عمل البيت هو واجب الزوجة، تماماً كما واجب الزوج العمل خارجه والإنفاق عليها، بل وإِعانتها في أعمال البيت أيضاً لأنَّ هذا من العشرة بالمعروف!

ولكن مما ٱبتلينا به في هذه الأيام هذه الأصوات الناعقة التي تحاول باسم حرية المرأة أن تهدم البيوت القائمة على الستر، وتمشية الحال بما هو متاح! وتصوير عمل المرأة في بيتها نوع من أنواع الرق، وإهانة النفس البشرية! ولست أدري أين الإهانة في أن تطعم الزوجة عائلتها من صنع يدها، وأن تغسل ملابسهم، وتنظف بيتها!
إن قيل أن الأمر شاق وصعب، فهذا نبصم به بالأصابع العشرة، ولكن هذه هي الحياة، لكل إنسان دوره، ولكل عمل مشقته! أما طرح الموضوع وجعله عبودية، وإهانة للمرأة فهذه دعوى سخيفة! إن حرية المرأة ليست بتجريدها من فِطرتها في أن تكون أماً وزوجةً وربة منزل، وإنما بتقدير وتبجيل ما تقوم به، كلاماً وفعلاً، كلاماً حلواً، وإشادة بدورها وأهميته، بهدية بين الحين والآخر، بضمة، وقبلة جبين ويد!
لم تكن فاطمة رقيقة ولا ممتهنة الكرامة وإن كانت تتعب في عمل بيتها، ولم يحضر لها علي خادمة لأنه أراد أن يتعبها وإنما لأنه لا يملك المال، ولم يعطها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خادمة لأنه عادل ولو أعطاها لكان عليه أن يعطي كل امرأة في المدينة مثل ما أعطى ابنته!

افخرن بأنفسكنَ، أنتن اللواتي لولاكن ما كانت البيوت وما استمرت، واستشعرن الأجر في كل عمل، فإذا كانت اللقمة التي يضعها الزوج في فم زوجته صدقة، فكيف بالتي تطبخ لتطعم عائلة، وتغسل لتكسوها!
وأنتم معاشر الرجال، لا تكونوا والدنيا عليهن، أعينوهنَّ، ليست منقصة أن تجلي صحناً عنها، ولا سبة أن تجمع لها الغسيل، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حاجة أهله يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، وهو سيد الرجال!

~
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 02-18-2020, 12:41 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي


1⃣9⃣

✍من دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن!

حاولتْ قريش أن تثنيه عن دعوته فلم تفلح، لا الترغيب آتى أُكله، ولا الترهيب أثمر! ولأنَّ العربَ تقولُ: آخرُ العلاج الكي!
حزمت قريش أمرها على قتله! خطة محكمة، من كل قبيلةٍ رجلاً ليتفرق دمه بين القبائل، فيعجز بنو هاشم عن الأخذ بالثأر ويرضون بالدية! ولكن النبيَّ المحفوف بالعناية الإلهية أُوحي إليه أن يتركَ علياً في فراشِه تلك الليلة ويصحب أبا بكرٍ خلسةً تحت جنح الظلام في هجرةٍ غيرتْ وجه الأرض إلى الأبد!

👈🏻ودارتْ الأيام، الرجل الذي نزل يوماً وحيداً من الغار صار أُمة، عنده جيش يأتمر بأمره، وأصحاب يفدونه بالعيون والمهج، تغيرت موازين القوى في بضع سنين، وها هو اليوم على أعتاب مكة يوشك أن يدخلها في وضح النهار!
ما جاء للثأر، ولكن على هذه المدينة أن تستردَّ هويتها، وعلى البيت المعمور أن يلفظ أصناماً غزته ذات شِركٍ وجاهلية!

▪وقبل الدخول إلى مكة، قال العباس للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو جعلت له شيئاً!

فلمَّا دخل مكة، أمر المنادي أن يقول: من دخلَ الكعبة فهو آمن، ومن دخلَ داره فهو آمن، ومن دخلَ دار أبي سفيان فهو آمن!
لم تكن هذه الجملة إلا استمالةً لأبي سُفيان وإلا ما حاجة أحدهم لدخول دار أبي سفيان ما دام بإمكانه أن يدخل داره هو ليكون آمناً!

درس عظيم من دروس الحياة مفاده: أعطِ الناس ما يحبون أن يعطى إليهم، ما لم يكن في هذا العطاء إثماً، لأن هذا أثبت للود وتأليف للقلوب!

البشر مُتشابهون في الشكل فقط، أما من الداخل فنحن طبائع شتى!

مِن الناس من إن لم تُجلسه في صدر المجلس لشعر بالإهانة، ومنهم من لا يهتم حيث يجلس!

من الناس لو أرسل إليكَ منشوراً ولم تعلِّق عليه لغضبَ منك، ومنهم من يرسل الأشياء رغبة في مشاركتها ولا يهمه إذا علقتَ عليها أم لم تُعلِّقْ!

من الناس من يحب أن تمدحه في حضور الآخرين، ومنهم من يشعره هذا بالخجل ويتمنى أن لا تفعل!

من الناس من إذا مازحته مزحةً لغضبِ منكَ وأشعلَ حرباً ولو حاولت أن تسترضيه بعدها لشقَّ ذلكَ عليكَ لصعوبة عقله وضيق صدره، ومنهم من إذا أغضبته فعلاً، وجئت تسترضيه لرضي فوراً!

من الناس من إذا غبت عنه يومين ثم التقيتما لعاتبك لأنك لم تسأل عنه، ومنهم من إذا فارقته سنةً ثم لقيكَ لم يشعرك بتقصيرك ولأشعرَكَ أنكما كنتما البارحة معاً!

اِفهمْ طباع الناس من حولك، وتعامل معهم حسب طباعهم، وتذكَّرْ أن الأطباء لا يُعالجون جميع المرضى بدواء واحد، الدواء يكون من جنس المرض، وكذلك المعاملة مع الناس، وفهم طباعهم ومعاملتهم على أساسها أريح لك ولهم!

~
رد مع اقتباس
  #20  
قديم يوم أمس, 11:39 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,900
افتراضي

🟢 على منهاج النُّبُوَّة

2⃣0⃣

✍مَنْ فجعَ هذه بولدها؟!

كانوا على سفرٍ معه، وأي شيءٍ في الكون أروع من أن تسافر معه، أن تراه يمشي أمامك وبِوِدك لو فرشت له قلبك بساطاً أحمر كما يليق بحذائه أن يطأ! وأن تنظر في وجهه عن قرب فتتمنى أن لا ترمش كي لا يغيب الوجه الشريف عنك جزءاً من الثانية! وأن تسمع صوته فتتمنى لو أن الكون كله يخرس فلا يعكر صفو صوته شيء، ثم ناهيك أن تقف وراءه في الصف ليصلي بك، طوبى لهم!
ويحدثنا ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تركهم يومها وذهب لبعض حاجته، فرأوا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذوا فرخيها، فجعلتْ تُحلِّقُ فوقهم وتصفِّق بجناحيها، أُم ثكلى بفقد أولادها،
ثم جاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: من فجعَ هذه بولدها؟ رُدُّوا ولدها إليها!

يا له من دين، ويا لها من شريعة، ويا له من نبي لا يرضى أن يكسر خاطر عصفورة! ثم إنَّ الحب اتباع، والاتباع العمل، والحب الذي ينقصه الاتباع والعمل حب ناقص مهما ادعينا كماله، وقد قال شاعرنا:
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيعُ!

إنَّ الذي يحرم زوجته من أبنائها لخلافٍ وطلاق عليه أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم يرض أن تفجع عصفورة بأولادها لن يرضى أن تفجع أم بأولادها!
إنَّ جبر القلوب مقدَّم على جبر العِظام، لأن كسر القلوب أشدُّ ألماً، وكسر العظام سرعان ما يلتئم، أما كسر القلوب فيبقى أبد الدهر، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض أن يفجع أحدٌ أحداً!
الكلمة التي تقولها في مجلس ضد أحد لتضحك الآخرين عليه تنغرس في قلبه عميقاً، وينفضُّ المجلس، وينتهي الضحك، ويضع رأسه على وسادته حزيناً ولربما لم ينم ليلته تلك لأجل أنَّ حضرتك أردتَ أن تتسلى!

جبر الخواطر عبادة، كالصيام والصلاة تماماً
ابتسامتك في وجه مسكين بالنسبة إليك مجرد ابتسامة لا تكلف شيئاً ولكنها بالنسبة إليه هدية عظيمة قد تصنع يومه كله، وتشعره بإنسانيته وقيمته التي سلبته قسوة الحياة شيئاً منها!
زيارتك لموظف مسكين عندك نزل به مرض هي بالنسبة إليك مجرد دقائق معدودة ولكنها بالنسبة إليه عطاء فخم، وثروة مهولة!
جرب أن تسأل عاملاً بسيطاً عن سبب تغيبِه البارحة عن العمل وتأمل مقدار السعادة في عينيه، ثمة أشياء لا تكلِّف كثيراً ولكنها تعني كثيراً!
إسعاد الآخرين لا يحتاج إلى ثروة ضخمة بقدر ما يحتاج قلباً عظيماً، وإتعاس الآخرين لا يحتاج سيفاً مُسلَّطاً، ولا لكمة قوية، ولا صفعة شديدة، كلمة واحدة فقط قد تكون أكثر إيلاماً من ضربة سيف، فلا تفجع أحداً بنفسه!

~
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

الساعة الآن 10:21 AM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
Powered & Developed By Advanced Technology