ملتقى قطرات العلم النسائي
 
 

الـــمـــصـــحـــــف الـــجـــامـــع
مـــصـــحـــــف آيـــــات
موقع الدرر السنية للبحث عن تحقيق حديث

العودة   ملتقى قطرات العلم النسائي > ::الملتقى العام:: > ملتقى عام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #71  
قديم 02-27-2021, 03:44 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة الرابعة والستون: الأمور العارضة التي لا قرار لها بسبب المزعجات أو الشبهات قد تَردُ على الحق وعلى الأمور اليقينية ولكن سرعان ما تضمحل وتزول:
وهذه قاعدة شريفة جليلة قد وردت في عدة مواضع من القرآن، فمن لم يحكمها حصل له من الغلط في فهم بعض الآيات ما يوجب الخروج عن ظاهر النص، ومن عرف حكمة تعالى الله في ورودها على الحق الصريح: لأسباب مزعجة تدفعها أو لشبهة قوية تحدثها ثم بعد هذا إذا رجع إلى اليقين والحق الصريح، وتقابل الحق والباطل، ووقعت الخصومة بينهما، فغلب الحقُ الباطل، ودمغه فزهق الباطل وثبت الحقُ، حصلت العاقبة الحسنة، وزيادة الإيمان واليقين، فكان في ذلك التقدير حكمٌ بالغة، وأيادٍ سابغة.
ولنمثل لهذا بأمثلة:
فمنها: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أكمل الخلق إيماناً ويقيناً، وتصديقاً بوعد الله ووعيده، وهذا أمر يجب على الأمم أن يعتقدوا في الرسل، من أنهم قد بلغوا الذروة فيه، وأنهم معصومون من ضده، ولكن ذكر الله في بعض الآيات أنه قد يعرض لهم بعض الأمور المزعجة- المنافية حساً لما علم يقينا- ما يوجب لهؤلاء الكمل أن يستبطئوا معه النصر، ويقولون:*{مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}*[البقرة: من الآية 214]، وقد يخطر في هذه الحالة على القلوب شيء من عوارض اليأس بحسب قوة الواردات وتأثيرها في القلوب، ثم في أسرع وقت تنجلي هذه الحال وتنفرج الأزمة ويأتي النصر من قريب*{أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}*[البقرة: 214]، فعندئذ يصير لنصر الله وصدق موعوده من الوقع والبشارة والآثار العجيبة أمر كبير، لا يحصل بدون هذه الحالة، ولهذا قال:*{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}*[يوسف: من الآية 110]، فلهذا الوارد الذي لا قرار له، وعندما حقت الحقائق اضمحل وتلاشى، لا ينكر ويطلب للآيات تأويلات مخالفة لظاهرها.
ومن هذا الباب بل من صريحه قوله تعالى:*{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}*[الحج: من الآية 52]، أيْ يلقي من الشبه ما يعارض اليقين.
ثم ذكر الحكم المترتبة على الإلقاء ولكن نهاية الأمر وعاقبته أن الله يبطل ما يلقي الشيطان، ويحكم الله آياته، والله عليم حكيم، فقد أخبر الله بوقوع هذا الأمر لجميع الرسل والأنبياء، لهذه الحكم التي ذكرها، فمن أنكر وقوع ذلك بناء على أن الرسل لا ريب ولا شك أنهم معصومون، وظن أن هذا ينافي العصمة، فقد غلط أكبر غلط، ولو فهم أن الأمور العارضة لا تؤثر في الأمور الثابتة لم يقل إلا قولاً يخالف فيه الواقع ويخالف بعض الآيات ويطلب التأويلات المستبعدات.
ومن هذا- على أحد قولي المفسرين- قوله تعالى عن يونس:*{فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}*[الأنبياء: 87]، وأنه ظنٌ عرضَ في الحال ثم زال، نظير الوساوس العارضة في أصل الإيمان التي يكرهها العبد حين ترد على قلبه، ولكن إيمانه ويقينه يزيلها ويذهبها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عندما شكى إليه أصحابه هذه الحال التي أقلقتهم، مبشراً لهم:*«الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة»، وأخبرهم أن هذا صريح الإيمان.
ويشبه هذا: العوارض التي تعرض في إرادات الإيمان لقوة وارد من شهوة أو غضب، وأن المؤمن الكامل الإيمان قد يقع في قلبه همٌّ وإرادة، لفعل بعض المعاصي التي تنافي الواجب ثم يأتي برهان الإيمان، وقوة ما مع العبد من الإنابة التامة، فيدفع هذا العارض.
ومن هذا: قوله تعالى عن يوسف عليه الصلاة والسلام:*{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ}*[يوسف: 24]، وهو أنه لما رجع إلى ما معه من الإيمان ومراقبة الله وخوفه وخشيته ورجائه، دفع عنه هذا الهم وموجبه واضمحل، وصارت إرادته التامة فيما يرضي ربه. ولهذا فاز بمرتبة الصديقية؛ لقوة إخلاصه ويقظة إيمانه بآيات ربه، وانتصر بعد المعالجة الشديدة من النسوة التي لا يصبر عليها إلا سادات الخلق حتى دعا ربه أن يبعده عن مواطن الفتن، فقال:*{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}*[يوسف: 33]، وكان كل من يتشبه به ويقف أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:*«رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله».
وقال تعالى:*{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}*[الأعراف: 201]، يشمل الطائف الذي يعرض في أصل الإيمان أو الذي يعرض في إرادته، فإذا مسهم تذكروا ما يدعو إلى الإيمان وواجباته، من آيات الله وسننه وحكمته وأحكامه فأبصروا، فاندفعت الشبهات والشهوات فرجع الشيطان خاسئاً وهو حسير.
ولعل من هذا: قول لوط عليه الصلاة والسلام:*{أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}*[هود: 80]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:*«رحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد»*يعني: وهو الله القوي العزيز، لكن غلب على لوط عليه السلام في تلك الحالة الحرجة وملاحظة الأسباب العادية، فقال ما قال، مع علمه التام بقوة ذي العظمة والجلال.
يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #72  
قديم 02-28-2021, 02:30 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة السادسة والستون: من قواعد القرآن أنه يستدل بالأقوال والأفعال على ما صدرت عنه من الأخلاق والصفات:
وهذه قاعدة جليلة فإن أكثر الناس يُقْصر نظره على نفس اللفظ الدال على ذلك القول أو الفعل من دون أن يفكر في أصله وقاعدته التي أوجبت حضور ذلك الفعل والقول، والفطن اللبيب ينظر إلى الأمرين ويعرف أن هذا لازم لهذا، أو هذا ملزم لهذا. وقد تقدم ما يقارب هذا المعنى الجليل، ولكن لشدة الحاجة إليه أوردناه على أسلوب آخر، فمن ذلك أن قوله عن عباد الرحمن أنهم:*{يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}*[الفرقان: 63]، ذلك صادر عن وقارهم وسكينتهم وخشوعهم وعن حملهم الواسع وخلقهم الكامل وتنزيههم لأنفسهم عن مقابلة الجاهلين، ومثل قوله:*{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}*[النمل: 17]، يدل على ذلك حسن إدارة المُلْك وكمال السياسة وحسن النظام.
وقوله تعالى:*{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}*[القصص: 55]، يدل على حسن الخلق ونزاهة النفس عن الأخلاق الرذيلة وعلى سعة عقولهم وقوة حملهم واحتمالهم ومثل الأخبار عن أهل الجاهلية في تقتيل أولادهم خشية الفقر أو من الإملاق يدل على شدة هلعهم وسوء ظنونهم بربهم وعدم ثقتهم بكفايته، وكذلك قوله عن أعداء رسول الله:*{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا}*[القصص: 57]، يدل على ظنونهم بالله وأن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته، وأمثلة هذا الأصل واضحة لكل صاحب فكرة حسنة.
يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #73  
قديم 03-01-2021, 06:07 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة السابعة والستون: يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق، للخروج من الشبهات والتوهمات:
وهذه القاعدة جليلة يعبر عنها: بأن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يعارض المحقق. ونحوها من العبارات.
وقد نبه الله عليها في مواضع كثيرة:
منها: لما أخبر عن الراسخين في العلم، وأن طريقتهم في المتشبهات: أنهم يقولون:*{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}*[آل عمران: 7]، فالأمور المحكمة المعلومة، يتعين أن يرد إليها كل أمر مشتبه مظنون. وقال تعالى في زجر المؤمنين عن مجاراة الشائعات التي يقولها أهل السوء في إخوانهم المؤمنين:*{لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}*[النور: 12]، فأمرهم بالرجوع إلى ما عُلم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل المعلوم، ولا يعتبروا كلام الخبيثين بما يناقضه، ويقدح فيه.
وقال تعالى:*{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً}*[الأحزاب: 69]، فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرئه من كل عيب ونقص قاله من آذاه لأنه لا يكون وجيها عند ربه حتى يسلم من جميع المنقصات ويتحلى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم. فيحذر الله هذه الأمة أن يسلكوا مسلك من آذى موسى مع وجاهته، فيؤذوا أعظم الرسل جاهاً عند الله، وأرفعهم مقاماً ودرجة، وأرأفهم بالمؤمنين وأكثرهم إحساناً إلى الخلق.
وقال تعالى:*{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}*[يونس: 32]،*{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقّ}*[سبأ: من الآية 6].
يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #74  
قديم 03-02-2021, 12:19 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة الثامنة والستون: ذكر الأوصاف المتقابلات يغنى عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفرق معلوماً:
وهذه القاعدة في القرآن كثير يذكرها في المقامات المهمة كالمقابلة بين الإيمان والكفر والتوحيد والشرك، وبين إلهية الحق وإلهية من سواه، ويذكر تباين الأوصاف التي يعرف العقلاء بالبداهة التفاوت بينها ويدع التصريح بالمفاضلة للعقلاء، قال تعالى:*{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}*[يوسف: 39]،*{آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}*[النمل: 59- 60]، والآيات التي بعدها:*{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}*[الزمر: 29]،*{مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}*[هود: 24]، وقال تعالى:*{قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}*[البقرة: 140]،*{قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ}*[يونس: 59]،*{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}*[الزمر: 9]، وقال قبلها:*{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}*[الزمر: 9]، فهذا الموضع ترك القسم الآخر كما ترك التصريح بالمفاضلة، لعلمه من المقام، فقوله:*{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ}، إلخ يعنى كمن ليس كذلك، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو من بلاغة القرآن وأسلوبه العجيب، كقوله:*{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}*[الملك: 22]، ولما ذكر أوصاف الرسول الداعي وما يدعو إليه وأعظم الناس معارضة له قال:*{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}*[سبأ: 24]،*{فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ}*[القلم: 5- 6]،*{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}*[البقرة: 256]،*{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}*[الكهف: 29]، وذلك أنه إذا ميزت الأشياء تمييزاً تاماً عرفت مراتبها في الخير والشر والكمال والنقص صار التصريح بعد ذلك أفضل لا معنى له، والله أعلم.
يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #75  
قديم 03-03-2021, 02:35 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة التاسعة والستون: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه:
وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضع كثيرة.
فمنها: ما ذكره الله عن المهاجرين الأولين الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله، فعوضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.
وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لما اعتزل قومه وأباه، وما يدعون من دون الله، وهب له إسحاق ويعقوب والذرية الصالحين.
ويوسف عليه السلام لما ملك نفسه من الوقوع مع امرأة العزيز، مع ما كانت تمنيه به من الحظوة وقوة النفوذ في قصر العزيز ورياسته وصبر على السجن وأحبه وطلبه ليبعده عن دائرة الفساد والفتنة عوضه الله أن مكن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، ويستمتع بما شاء مما أحل الله له من الأموال والنساء والسلطان.
وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله، نشر لهم من رحمته وهيأ لهم أسباب المرافق والراحة وجعلهم سبباً لهداية الضالين.
ومريم ابنة عمران لما أحصنت فرجها أكرمها الله ونفخ فيه من روحه وجعلها وابنها آية للعالمين. وسليمان عليه السلام لما ألهته الخيل عن ذكر ربه فأتلفها، عوضه الله الريح تجري بأمره، والشياطين كل بناء وغواص.
ومن ترك ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى عوضه الله من محبته وعبادته والإنابة إليه ما يفوق لذات الدنيا كلها.

يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #76  
قديم 03-03-2021, 11:21 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

لقاعدة السبعون: القرآن كفيل بمقاومة جميع المفسدين ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسكُ بأصوله وفروعه وتنفيذ شرائعه وأحكامه:
قد تقدم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية ما يدل على هذا الأصل.
ويعرف الخلق أن العصمة من الشرور كلها لا طريق لها إلا التمسك بهذا القرآن وأصوله وعقائده وأخلاقه وآدابه وشرائعه.
ولكن نزيد هنا بعض التفصيلات، فنقول: أهل الشر والفساد نوعان:
أحدهما المبطلون في عقائدهم وأديانهم ومذاهبهم الذين يدعون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء وإقامة الحجج والبراهين على فساد قولهم شيء كثير، لا يأتي مبطل يقول إلا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح والبرهان الجلي، ففيه الرد على جميع المبطلين من الدهريين والماديين والمشركين والمتمسكين بالأديان المبدلة والمنسوخة من اليهود والنصارى والأميين*{وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}*[الفرقان: 33]، يذكر الله حجج هؤلاء ويرفضها ويبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هذا بالجملة لا يحتمله هذا الموضع.
النوع الثاني: من المقومين للأديان والدنيا والسياسات والحقوق الشيوعيون الذين انتشر شرهم وتفاقم أمرهم وسرت دعايتهم في طبقات الخلق سريان النار في العشب الهشيم ولم يكن عند الأكثرين ما يرد صولتهم ويقمع شرهم، وإنما عندهم من الأصول والعقائد والأخلاق والسياسات ما يمكن أمثال هؤلاء الذين هم فساد العباد والبلاد، ولكن- ولله الحمد- القرآن العظيم والدين القويم قد تكفل بمقاومة هؤلاء كما تكفل بمقاومة غيرهم وفيه من الأصول والأخلاق والآداب الراقية ما يردهم على أعقابهم منهزمين. فما فيه من العدل ووجوب الحقوق العادلة بين طبقات الناس بحسب أحوالهم وما فيه من إيجاب الزكاة والإلزام بها، ودفع حاجات الفقراء والمساكين ووجوب القيام بالمصالح الكلية والجزئية ووجوب الملاك والحقوق، كل هذا أعظم صدق وأحسن حكم للوقاية من شرور هؤلاء المفسدين، وكذلك ما حَضَّ عليه القرآن من لزوم الآداب العالية والأخلاق السامية والأخوة الدينية والرابطة الإسلامية يمنع من تغلل شرورهم التي طريقها الأقوم تحليل الأخلاق وانحلال الآداب وتحلل الروابط النافعة والثورة العامة على الرأسماليين الذين يجمعون ويمنعون، فهؤلاء وإن أبدوا من القوة المادية والتسلط على العباد بالقهر والاستعباد والطمع والجشع فإنهم لا ثبوت لهم على مقاومة هذا التيار المزعج المخرب المدمر ما مر عليه، فما معهم من سلاح يقاوم سلاحهم، ولا قوة تجابه قوتهم، لكونهم لم يتمسكوا بالقرآن الذي فيه العصمة والقوة المعنوية والصلاح والإصلاح والعدل ودفع الظلم والآداب والأخلاق العالية التي لا تزعزعها عواصف الخراب، بل تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، فإذا جاء هؤلاء المفسدون بالتعطيل المحصن والإنكار والصرف أبدى القرآن من الحجج والبراهين على وجود الله وصدقه وصدق من جاء به ما تصدع له الجبال وتخضع له فحول الرجال، وإذا تسرب هؤلاء الأشرار لتوسط الأخلاق الرذيلة وانحلال الآداب الجميلة ووجدوا مسلكاً في هذا الطريق يعينهم على تنفيذ باطلهم جاءهم هذا القرآن بالحث على الأخلاق العالية والأعمال الصالحة والآداب الجميلة التي لا تدع للشر على صاحبه سبيلاً، وإذا صالوا بالفقر والفقراء ووجوب المساواة واحتجوا على أرباب الأموال بالاحتكار والسيطرة واستعبادهم، للعباد واستبدادهم بالأملاك والأموال ولم يجد هؤلاء العظيم بعدله وقسطه وإيجاب الحقوق المتنوعة الدافعة للحاجات كلها بعد قيامها بالضرورات بصدهم ومقاومتهم وإبطال كل ما به يصولون ويجولون ثم إذا برز بصلاحه وإصلاحه العظيم ونظامه الحكيم وهديه القويم وحثه على سلوك الصراط المستقيم ونوره الساطع وحججه القواطع لم يبق في وجهه باطل إلا محقه ولا شر إلا سحقه ولا بقى من قصده الحق والصواب إلا اختاره، واعتنقه ولا تأمله صاحب عقل إلا صدع له، فهو الحصن الحصين من جميع الشرور، وهو القامع لكل من قاومه في كل الأمور.

يتبع.
🔁🔁🔁🔁🔁🔁🔁
رد مع اقتباس
  #77  
قديم 03-05-2021, 02:11 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

القاعدة الواحدة السبعون: في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني:
اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود بوضع هذا الكتاب، وهو بيان الطرق والمسالك والأصول التي يرجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظها، واختلفت أساليبها وتفاصيلها، فإنها ترجع إلى أصل واحد، وقاعدة كلية.
وأما نفس ألفاظ القرآن الحكيم فإن كثيراً منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيم حميد وعلى صدق من أعطي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً.
ولنضرب لهذا أمثلة ونماذج فمنها:
قوله تعالى:*{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}*[فصلت: 46]،*{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}*[يونس: 26]،*{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}*[الرحمن: 60]،*{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}*[الواقعة: 10]،*{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}*الآية [النحل: 90]،**{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب}*[الزمر: 10]،*{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا}*[النساء: 94]،*{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}*[الحجرات: 6]،*{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}*[الشورى: 38]،*{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}*[آل عمران: 159]،*{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا}*[النساء: 40]،*{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}*[النساء: 128]،*{إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}*[يونس: 81]،*{وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}*[البقرة: 205]،*{يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}*[الانفطار: 19]،*{فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً}*[الجن: 18]،{تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً}*[البقرة: 22]،*{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}*[الزمر: 3]،*{فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ}*[غافر: 14]،*{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}*[التغابن: 16]،*{وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}*[هود: 3]،*{وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}*[البقرة: 237]،*{وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}*[الأعراف: 85]،*{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}*[هود: 11: 21]،*{فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ}*[فصلت: 6]،

التعديل الأخير تم بواسطة أم حذيفة ; 03-05-2021 الساعة 02:13 AM
رد مع اقتباس
  #78  
قديم 03-05-2021, 02:12 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

{وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}*[هود: 115]،*{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}*[هود: 114]،*{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}*[يوسف: 24]،*{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}*[الصافات: 80]،*{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل}*[الرعد: 21]، الآيات،*{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}*[الشورى: 40]،*{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}*[النحل: 126]،*{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}*[البقرة: 194]،*{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}*[الإسراء: 9]،*{يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}*[الجن: 2]،*{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}*[الإسراء: 15]،*{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}*[التوبة: 91]،*{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}*الآية [الأعراف: 157]،*{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}*[الشورى: 40]،*{وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً}*[الكهف: 46]،*{وَخَيْرٌ مَرَدًّا}*[مريم: 76]،*{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}*[البقرة: 185]،*{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}*[الحج: 78]،*{لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}*[البقرة: 233]،*
*{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ}*[الحشر: 7]،*{وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ}*[الأحزاب: 53]،*{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا}*الآية [الأحزاب: 58]،*{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}*[الأنفال: 60]،*{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}*[البقرة: 201].
فهذه الآيات الكريمات وما أشبهها كل كلمة منها قاعدة، وأصل كلي يحتوي على معان كثيرة.
وقد تقدم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي متيسرة على حافظ القرآن، المعتني بمعرفة معانية ولله الحمد.

رد مع اقتباس
  #79  
قديم 03-05-2021, 02:12 AM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
مشرفة قسم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 2,630
افتراضي

والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد يسر الله تعالى علينا ما من بجمعه، فجاء- ولله الحمد- على اختصاره ووجازته ووضوحه كتابا يسر الناظرين ويعين على فهم كلام رب العالمين.
وأسأله تعالى أن يجعله خالصا لوجه الكريم، مقربا لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه وقارئه، والناظر فيه وجميع المسلمين، بمنه وكرمه وجوده وإحسانه وهو خير الراحمين،
وصل اله على محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلا يوم الدين.
قال ذلك وكتبه جامعه العبد الفقير إلى الله في كل أحواله عبد الرحمن بن ناصر أبو عبد الله السعدي.

وقد تم ذلك في 6 شوال سنة 1365 هـ والحمد لله رب العالمين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



أوقات الصلاة لأكثر من 6 ملايين مدينة في أنحاء العالم
الدولة:

الساعة الآن 06:06 PM بتوقيت مسقط


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By Almuhajir
Powered & Developed By Advanced Technology