عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-21-2011, 11:43 AM
هند هند غير متواجد حالياً
عضوة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 1,493
افتراضي

ولكنه في الوقت نفسه
لا يهمل الجانب الواقعي الذي فطر عليه الإنسان
وهو حب الانتصار للنفس إذا ما وقع عليها الاعتداء
وإلا فإنه يدعو إلى مثالية خيالية
لا طاقة للنفس البشرية بها
ولذلك كانت مشروعية القصاص
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}
[البقرة: 179]
إنها ليست دعوة إلى القصاص فحسب دون عفو
ولا دعوة إلى العفو دون إقرار حق القصاص
وإنما شرع الله -تعالى- الأمرين معًا
ها أنت على عدل وحق لو طالبت بالقصاص من المعتدي
وها أنت على فضل عندما تعفو وتصفح.

تربية الضمير: ولقد ارتفع النبي -صلى الله عليه وسلم

إلى مستوى رائع عندما أرشدهم إلى هذا
وترك الإنسان لضميره المؤمن ووجدانه الحي
يستفتيه في كل ما يعمل وما يترك
فقد قال -عليه الصلاة والسلام
"إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن (أقوى)
بحجته من بعض, فأقضي له على نحو مما أسمع منه
فمن قطعت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه
فإنما أقطع له به قطعة من النار" (1)

أرأيت إلى هذه التربية الوجدانية والتهذيب الخلقي للفرد؛

إنها لا تكتفي بوسائل الإثبات المادية
ولكنها تعود بالمرء إلى ضميره
فلعل أحد الخصمين يكون أقوى حجة من أخيه الذي يخاصمه
فيحاجه بالكلام يخصمه بما قدم
ولكنه ليس على حق... فليحذر
فإنما هي قطعة من نار...
وحكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال.
ثلاث محاكم أدبية....

وسبيل النجاة

وقد وضعنا القرآن الكريم أمام ثلاث محاكم أدبية [2]
هي: محكمة الضمير في قلوبنا
ومحكمة المجتمع من حولنا
ومحكمة السماء من فوقنا، فقال الله -تعالى
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]
وسبيلنا للنجاة أمام محكمة السماء الكبرى

هو تربية الشعور الديني
(الحسان وسبيل النجاة أمام المحكمة الثانية
هو تربية الشعور الاجتماعي
وسبيل النجاة أمام المحكمة الأولى
(محكمة الضمير في قلوبنا)
هو تربية الوجدان أو الضمير الخلقي ليجعل من نفس الإنسان
وازعًا قبل محاسبة الآخرين
ولذلك حذرنا من كل عمل يترتب عليه تأنيب الضمير
وأمرنا أن نرجع إلى هذا الضمير نستفتيه
"استفت قلبك... وإن أفتاك الناس وأفتوك" (3)

الحج تربية للضمير

وهذه المعاني عن التربية الوجدانية أو الضمير الحي الحساس
نجدها متمثلة في كثير من مشاعر الحج ومناسكه
منذ أن يفرض المسلم الحج على نفسه في أشهره
إلى أن يقضي مناسكه
فأنت واجد في كل شعيرة من الشعائر ما يحملك
على مراقبة الله -تعالى- لك
ويجل من النفس اللوامة أو الضمير حكمًا أو قاضيًا
في كثير مما يقوم به المسلم في الحج.. فإن الله به عليم
ففي أعقاب الدخول في النُّسك يلتفت السياق القرآني
إلى هذه الناحية التفاتة رائعة
فيقول الله -تعالى
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197]
فكل خير وكل قربة وكل عبادة... فإن الله به عليم
وعليه يجازي، وبه يرفع المؤمن عنده درجات
وهو طريق تحلية النفس وتزكيتها وتطهيرها بعد تخليتها
من الرفث و الفسوق والجدال..
والإقبال على الله -تعالى- بهذه الهيئة النظيفة
وهذه الصورة المشرقة الوضيئة
والتقلب في هذه المناسك والرياض...
يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها
ويدخلها في حياة جديدة لها فيها ما كسبت
وعليها ما اكتسبت
ويكفي المسلم أن يشعر أن الله -تعالى

يعلم ما يفعله العبد من خير، ويطلع عليه ويجازي ويثيب
ليكون ذلك حافزًا له على الإكثار من الخير والاجتهاد فيه...
فمن ذا الذي لا يريد أن يراه ربه -تبارك وتعالى

على أحسن صورة في العمل؟
ومن ذا الذي لا تتطلع نفسه وتتشوق إلى أن يعلم الله منه
الخير كل الخير…؟
فيصل بذلك إلى درجة الإحسان
التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم
"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه
فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (4)

أثر الذكر والدعاء والتضرع
ولن يكون الإنسان صاحب ضمير حي
ونفس لوامة حتى يكون على صلة طيبة بالله -تعالى
الذي خلقه وسيحاسبه يوم القيامة على ما اقترف
وفي الذكر والدعاء والتضرع إلى الله -تعالى
بصدق وإخلاص
وفي التلبية التي يجأر بها العبد في مناسكه...
كل هذا وسيلة من وسائل تربية الوجدان وإعلاء قيمته

وهو يصقل النفس ويزكيها
بما فيه من إظهار العبودية لله -تعالى
وصدق اللجوء إليه..

رقابة ذاتية صارمة على المخالفات


يتـ إن شاء الله ـبع
----
(1)الراوي: أم سلمة هند بنت أبي أمية المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2680
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

---
(2)الفكرة مأخوذة عن الأستاذ الشيخ محمد عبد الله دراز
في كتابه عن المسئولية
----
(3)الراوي: وابصة بن معبد الأسدي المحدث: الألباني
المصدر: صحيح الترغيب - الصفحة أو الرقم: 1734
خلاصة حكم المحدث: حسن لغيره

---
(4)الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري
المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4777
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
رد مع اقتباس