عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 05-19-2026, 05:09 AM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
مدير
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 4,457
Haedphone

العرض والحساب وتطاير الصحف
قال الله جل وعلا "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ" الحاقة:١٨، وقوله تعالى"وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا" الكهف:٤٨ ، فالناس يُعرضون على الله جل وعلا، بل الخلق كلهم يعرضون ويحشرون إلى رب العالمين، فيقضي الله جل وعلا فيهم بما يشاء.
قال صلى الله عليه وسلم "أَما إنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ علَى رَبِّكُمْ، فَتَرَوْنَهُ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ".الراوي : جرير بن عبدالله -صحيح مسلم.
قال صلى الله عليه وسلم "ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولا حِجابٌ يَحْجُبُهُ ."الراوي : عدي بن حاتم الطائي - صحيح البخاري.
ما هو الفرق بين العرض والحساب؟
الفرق بين العرض والحساب، أن الحساب جزء من العرض، والعرض أشمل من الحساب، فالعرض يشمل الوقوف والحساب، أما الحساب فهو بعد الوقوف. كتاب شرح لمعة الاعتقاد - ناصر العقل.
المقصود من تطاير الصحف:
الصحف هي : الكتبُ التي كَتَبَتْ فيها الملائكةُ ما فعلَهُ البشرُ في الحياةِ الدنيا. التطاير: يُقصد به توزيع هذه الصحف على الناس.

الأصل أن يحاسب الناس كلهم في موقف القيامة ، إلا صنفا من الناس ، يتفضل الله عليهم ، فيدخلهم الجنة من غير سبق حساب ، ولا عذاب وهم :
قال صلى الله عليه وسلم "يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ." الراوي : عبدالله بن عباس -صحيح البخاري.
العَرضُ يَومَ القيامةِ على ثَلاثةِ أنواعٍ:
النَّوعُ الأوَّلُ: عَرضٌ عامٌّ : وَهُوَ عَرْضُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ, بَادِيَةٌ لَهُ صَفَحَاتُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ خَافِيَةٌ، هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ. فهو لجَميعِ الخَلائِقِ بَرِّهم وفاجِرِهم أمامَ اللهِ تعالى.الحكمي مقتبس بتصرف يسير من معارج القبول للحكمي.
ومن أدَلَّتِه قَولُ اللهِ تعالى " وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ"الكهف: 48.
قال ابنُ جَريرٍ: قَولُه" وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا "الكهف:48.يَقولُ عَزَّ ذِكرُه: وعُرِضَ الخَلقُ على رَبِّكَ يا مُحَمَّدُ صَفًّا .
" لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ " الكهف:48. يَقولُ عَزَّ ذِكْرُه: يُقالُ لهم إذ عُرِضوا على اللهِ: لَقد جِئْتُمونا أيُّها النَّاسُ أحياءً كهيئَتِكم حينَ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ.ا.هــ.
وقال الشَّوكانيُّ " وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا " الكهف:48. انتِصابُ صَفًّا على الحالِ، أي: مَصفوفينَ كُلُّ أمَّةٍ وزُمرةٍ صَفًّا، وقيلَ: عُرِضوا صَفًّا واحِدًا، كما في قَولِه: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي: جَميعًا، وقيلَ: قيامًا. وفي الآيةِ تَشبيهُ حالِهم بحالِ الجَيشِ الذي يُعرَضُ على السُّلطانِ.
النَّوعُ الثَّاني: عَرضٌ خاصٌّ بالمُؤمِنينَ وهو الحِسابُ اليَسيرُ.
" نَحْنُ الآخِرُونَ مِن أهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، المَقْضِيُّ لهمْ قَبْلَ الخَلائِقِ."الراوي : حذيفة بن اليمان- صحيح مسلم.
فإنَّ هَذه الأُمَّةَ وإنْ تَأخَّرَ وُجودُها في الدُّنيا عَنِ الأُممِ السَّابقةِ، فهيَ سابِقةٌ لَهمْ في الآخِرةِ بأنَّهُم أوَّلُ مَن يُحشَرُ، ويُحاسبُ، وأَوَّلُ مَن يُقضَى لهم قَبْلَ النَّاس لِيَدخُلوا الجنَّةَ. وفي الحَديثِ: إكرامُ اللهِ تَعالى لِهَذهِ الأُمَّةِ وتَفضيلُها على غيرِها مِن الأُمَمِ الَّتي سبَقَتْها.الدرر السنية.
حساب عَرْض ، وهذا يخص المؤمن ، يُسأل عن عمله وعلمه ونعمة الله التي منّ بها عليه ، فيجيب بما يشرح صدره ويثبت حجته.وإذا عُرِضَتْ عليه ذنوبُهُ أقرَّ بها فيسترها اللهُ عليه ويتجاوزُ عنه .
فهذا لا يناقش الحساب ولا يدقق عليه ولا يحقق معه ، ويأخذ كتابه بيمينه ، وينقلب إلى أهله في الجنة مسرورًا ؛ لأنه نجا من العذاب وفاز بالثواب .

عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال"مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"، قالت: قُلتُ: أليسَ يَقولُ الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 8. قال"ذلكِ العَرضُ" .
قال البَغَويُّ: قَولُه"مَن نوقِشَ الحِسابَ يَهْلِك " فالمُناقَشةُ: الِاستِقصاءُ في الحِسابِ حَتَّى لا يُترَكَ منه شَيءٌ، يُقالُ: انتَقَشتُ منه جَميعَ حَقِّي، ومنه نَقشُ الشَّوكةِ من الرِّجْلِ، وهو استِخراجُها منهـا . ا.هــ.
وقال القسطَلانيُّ "قالت" عائِشةُ "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أليسَ يَقولُ الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا"الانشقاق: 8.أي: سَهلًا هيِّنًا بأن يُجازِيَ على الحَسَناتِ ويَتَجاوَزَ عن السَّيِّئاتِ "قال" صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "ذلكِ" بكِسرِ الكافِ وتُفتَحُ، أي: الحِسابُ المَذكورُ في الآيةِ "العَرضُ" أي: عَرضُ أعمالِ المُؤمِنِ عليه حَتَّى يَعرِفَ مِنَّةَ اللهِ عليه في سَترِها عليه في الدُّنيا وفي عَفْوه عنها في الآخِرةِ . . ا.هــ.
وعن صَفوانَ بنِ محرزٍ المازِنيِّ قال: بينَما أنا أمشي مَعَ ابنِ عُمرَ رَضِيَ الله عنهما آخِذٌ بيَدِه، إذ عَرضَ رَجُلٌ فقال: كيفَ سَمِعتَ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّجوى؟ فقال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ"إنَّ اللهَ يُدْني المُؤمِنَ فيَضَعُ عليه كَنَفَه، ويَستُرُه فيَقولُ: أتَعرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتَعرِفُ ذَنْبَ كذا؟ فيَقولُ: نَعَم أيْ رَبِّ. حَتَّى إذا قَرَّرَه بذُنوبِه ورَأى في نَفسِه أنَّه هَلَك قال: سَتَرتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لَك اليَومَ، فيُعطى كِتابَ حَسَناتِه، وأمَّا الكافِرُ والمُنافِقونَ، فيَقولُ الأشهادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ "هود: 18. الراوي : عبدالله بن عمر - صحيح البخاري.
قال المهلَّبُ: في هذا الحَديثِ عَظيمُ تَفَضُّلِ اللهِ على عِبادِه المُؤمِنينَ وسَتْرِه لذُنوبِهم يَومَ القيامةِ، وأنَّه يَغفِرُ ذُنوبَ من شاءَ منهم بخِلافِ قَولِ من أنفَذَ الوَعيدَ على أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّه لَم يَستَثنِ في هذا الحَديثِ عليه السَّلامُ مِمَّن يَضَعُ عليه كنَفَه وسِتْرَه أحَدًا إلَّا الكُفَّارَ والمُنافِقينَ، فإنَّهم الذينَ يُنادى عليهم على رُؤوسِ الأشهادِ باللَّعنةِ لهم . ا.هــ. .
وقال الكَرْمانيُّ: قَولُه"النَّجوى" أي: الذي يَقَعُ بينَ اللهِ وبينَ عَبدِه المُؤمِنِ يَومَ القيامةِ، وهو فضلٌ من الله يَومَ القيامةِ حَيثُ يَذكُرُ المَعاصيَ للعَبدِ سِرًّا.
وقال العَينيُّ"إنَّما أطلَقَ النَّجوى لمُخاطَبةِ الكُفَّارِ على رُؤوسِ الأشهادِ" .
وقال ابنُ المُلقِّنِ: هذا الحَديثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَولَه تعالى" ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ "التكاثر: 8، أنَّ السُّؤالَ عن النَّعيمِ الحَلالِ إنَّما هو سُؤالُ تَقريرٍ وتَوقيفٍ له على نِعَمِه التي أنعَمَ بها عليه، ألا تَرى أنَّه تعالى يوقِفُه على ذُنوبِه التي عَصاه فيها ثُمَّ يَغفِرُها له، وإذا كان ذلك فسُؤالُه تعالى عِبادَه عن النَّعيمِ الحَلالِ أَولى أن يَكونَ سُؤالَ تَقريرٍ، لا سُؤالَ حِسابٍ وانتِقامٍ. ا.هــ. .
قال ابن القيم رحمه الله :قال قتادة " إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه .
والنعيم المسئول عنه نوعان : نوع أخذ من حله وصرف في حقه فيسأل عن شكره ونوع يأخذ بغير حله وصرف في غير حقه فيسأل عن مستخرجه ومصرفه " انتهىمن "إغاثة اللهفان" 1 /84 .
وقال أيضًا :
" كلُّ أحدٍ يُسألُ عن نعيمِهِ الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم لا ؟ فإذا تخلص من هذا السؤال سُئل سؤالا آخر هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا ؟ فالأول سؤال عن سبب استخراجه والثاني عن محل صرفه " انتهى من "عدة الصابرين" ص 157.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
" اختلف العلماء رحمهم الله في قوله" ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ "
التكاثر: 8، هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟ والصواب: أن المراد به المؤمن والكافر، كل يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع ، والمؤمن يسأل سؤال تذكير... سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله عز وجل عليه ، حتى يفرح ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا ، تكرم عليهم بنعمته في الآخرة، أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنبيه "انتهى ، باختصار من "لقاء الباب المفتوح" (98 /9)
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ" .صححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

النَّوعُ الثَّالِثُ:عَرضٌ خاصٌّ بالكُفَّارِ والمُنافِقينَ، وهو المُناقَشةُ، وهو عَرضُ فضيحةٍ على رُؤوسِ الأشهادِ، لا سَتْرَ فيه ولا مَغفِرةَ.
وقد دلَّ على هذا قولُ اللهِ تعالى" وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ"هود: 18.
قال السَّمعانيُّ: مَعناه: لا أحَدَ أظلَمُ مِمَّنِ افتَرى على اللهِ كذِبًا، ثُمَّ قال"أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ "العَرضُ: هو إظهارُ الشَّيءِ ليُرى ويُوقَفَ على حالِه، ومنه قَولُهم: عَرضَ السُّلطانُ الجُندَ. وقَولُه" وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ "اختَلَفَ القَولُ في الأشهادِ، رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قال: همُ الأنبياءُ والمُرَسَلونُ. وقال مَجاهدٌ: همُ المَلائِكةُ. وقال بَعضُهم: الخَلائِقُ كُلُّهم .ا.هـ.
وقال ابنُ كثيرٍ: يُبَيِّنُ تعالى حالَ المُفتَرينَ عليه وفَضيحَتَهم في الدَّارِ الآخِرةِ على رُءوسِ الخَلائِقِ من المَلائِكةِ، والرُّسُلِ، والأنبياءِ، وسائِرِ البَشَرِ والجانِّ.ا.هـ. .
وقال السَّعديُّ: يُخبِرُ تعالى أنَّه لا أحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ويَدخُلُ في هذا كُلُّ من كذَبَ على اللهِ بنِسبةِ الشَّريكِ له، أو وصفِه بما لا يَليقُ بجَلالِه، أوِ الإخبارِ عنه بما لَم يَقُلْ، أوِ ادِّعاءِ النُّبوَّةِ، أو غَيرِ ذلك من الكَذبِ على الله؛ فهؤلاء أعظَمُ النَّاسِ ظُلمًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ليُجازيَهم بظُلمِهم، فعِندَما يَحكمُ عليهم بالعِقابِ الشَّديدِ يَقُولُ الأَشْهَادُ أي: الذينَ شَهِدوا عليهم بافتِرائِهم وكَذِبِهم: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ أي: لَعنةٌ لا تَنقَطِعُ؛ لأنَّ ظُلمَهم صارَ وصفًا لهم مُلازِمًا، لا يَقبَلُ التَّخفيفَ .ا.هـ. . الموسوعة العقدية . الدرر السنية.
قال أبو القاسِمِ الأصبَهانيُّ: قال بَعضُ العُلَماءِ: يُحاسِبُ اللهُ عِبادَه في القيامةِ ويُناقِشُهم. يُحاسِبُ بالعَرضِ من قَضى له بالمَغفِرةِ، ويُناقِشُ بالحِسابِ من قَضى عليه بالعَذابِ.ا.هـ.
تطاير الصحف والحساب
"وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا""الكهف: 49.
" وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا" الإسراء :13.
فالناس بعد صدورهم من الحوض ومَجيء الرَّبِّ سُبحانَه وإتيانِه، ونُزولُ المَلائِكةِ وبعد العرض والحساب الأول يوقفون ليأخذوا صحفهم، ويروا ما عملوا في دار الابتلاء.
الصحف هي : الكتبُ التي كَتَبَتْ فيها الملائكةُ ما فعلَهُ البشرُ في الحياةِ الدنيا. التطاير: يُقصد به توزيع هذه الصحف على الناس.
قال اللهُ تعالى" وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ "الانفطار: 10 -11.
قال ابنُ جَريرٍ قَولُه" وإنَّ عليكم لحافِظينَ" يَقولُ: وإنَّ عليكم رُقباءَ حافِظينَ يَحفَظونَ أعمالَكم، ويُحصونَها عليكم. كِرامًا كاتِبينَ يَقولُ: كِرامًا على الله كاتِبينَ، يَكتُبونَ أعمالَكم... وقَولُه: يَعلَمونَ ما تَفعَلونَ يَقولُ: يَعلَمُ هؤلاء الحافِظونَ ما تَفعَلونَ من خَيرٍ أو شَرٍّ، يُحصونَ ذلك عليكم.وقال السَّمعانيُّ قَولُه" كاتِبينَ" همُ المَلائِكةُ يَقعُدونَ عن يَمينِ الإنسانِ ويَسارِه، فيَكتُبونَ ما عليه وله .ا.هـ .
قال اللهُ سُبحانَه" إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ "
ق: 17-18.

"وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا" الإسراء:13." اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا"
الإسراء:14.
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ: أي: ما عمل من خير وشر يجعله الله ملازمًا له لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل غيره ولا يحاسب غيره بعمله.
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا: أي: نَجمَعُ له عَمَلَه كُلَّه في كِتابٍ يراه مفتوحًا ، مَنْشُورًا أي: مَفتوحًا يَقرَؤُه هو وغَيرُه، قد سُجِّلت فيه ما عمله من الخير والشر حاضرًا صغيره وكبيره ، يُعطاه يَومَ القيامةِ؛ إمَّا بيَمينِه إن كان سَعيدًا، أو بشِمالِه إن كان شَقيًّا.
اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا:أي: يُقالُ له اقرَأْ كِتابَك مُحاسِبًا نَفْسِك ،فكُلُّ أحَدٍ يَقرَأ كِتابَه من كاتِبٍ وأمِّيٍّ. قال قتادةُ: سَيَقرَأُ يَومَئِذٍ من لَم يَكُن قارِئًا في الدُّنيا.ا.هـ.
قال اللهُ سُبحانَه" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه "الحاقة: 19 – 29.
والكِتابُ: هو صَحيفةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ.
قال القُرطُبيُّ: فإذا وُقِفَ النَّاسُ على أعمالِهم من الصُّحُفِ التي يُؤتَونَها بَعدَ البَعثِ حُوسِبوا بها، قال اللهُ تعالى" فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 7، 8، فدَلَّ على أنَّ المُحاسَبةَ تَكونُ عِندَ إتيانِ الكُتُبِ؛ لأنَّ النَّاسَ إذا بُعثوا لا يَكونُون ذاكِرينَ لأعمالِهم. قال اللهُ تعالى" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ "المجادلة: 6.
كيف نجمع بين قوله تعالى" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ " وقوله" وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ "؟
قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: "الجمع بينهما أن يقال: يأخذه بشماله لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره، أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره، جزاءً وفاقًا.مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين:2 /42.
هل من يأخذ كتابه بيمينه هل يدخل النار ؟
دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الناس يوم القيامة فريقان : فريق يأخذ كتابه بيمينه ، وهم أهل الإيمان ، وفريق يأخذ كتابه بشماله ، وهم أهل الكفران .
والدليل على أن أهل الشمال هم الكفار قوله تعالى في سياق الآيات "وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه "الحاقة: 19 – 29.
وهذا كالصريح في أن الأخذ بالشمال مقصور على الكفار .
وأما عصاة الموحدين ، ممن يدخل النار ثم يخرج منها ، فقد اختُلف فيهم :
فمن أهل العلم من قال : إنهم يأخذون كتبهم بأيمانهم . ومنهم من قال : يأخذونها بشمائلهم .
قال السفاريني رحمه الله " يعطى الكافر كتابه بشماله من وراء ظهره ، ويعطى المؤمن العاصي كتابه بشماله من أمامه . ويعطى المؤمن الطائع كتابه بيمينه من أمامه . ا.هـ.
وقد جزم الماوردي: بأن المشهور أن الفاسق الذي مات على فسقه دون توبة يأخذ كتابه بيمينه ، ثم حكى قولا بالوقوف -أي التوقف في المسألة- قال : ولا قائل بأنه يأخذه بشماله.
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: بالنسبة للعاصي المؤمن هل يأخذ كتابه بيمينه أو بالشمال ؟
فأجاب " يأخذه بيمينه " انتهى من الأسئلة الملحقة بشرح السفارينية :ص 500 .
والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يأخذ كتابه بشماله إلا الكافر ، كما هو ظاهر الآيات المتقدمة .
والذي ينبغي للمسلم أن يجتهد في تحصيل الطاعات ، وفعل الخيرات ، ليكون من أهل اليمين ، جعلنا الله تعالى منهم .الإسلام سؤال وجواب.
فكل مسلم مات على التوحيد يتناول كتابه بيمينه ، وهذا هو سرّ فرحه ، ولكن ذلك لا يمنع أن يعذب الله بعض عصاة الموحدين في النار بذنوبهم ، وإن تناولوا كتبهم بأيمانهم
سُئِلَ الشيخُ صالح آل الشيخ - حفظه الله - :
هل العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه أم بشماله ؟
فأجاب : " العاصي يُعْطَى كتابه بيمينه ، أما الذي يُعْطَى كتابه يوم القيامة بشماله فهو الكافر ، يُعْطَى كتابه بشماله وراء ظهره ، أما المؤمن فيُعْطَى كتابه باليمين سواءٌ أكَانَ من السابقين ، أم من المقتصدين ، أم ممن ظلم نفسه ، ثم يأتي بعد ذلك الحساب والوزن ، ثم تأتي الْمُجَازاة " انتهى من " شرح الطحاوية " (ص 686) بترقيم الشاملة.
وسُئِلَ الشيخُ صالح الفوزان - حفظه الله - :
هل المسلم العاصي يأخذ كتابه بشماله أم بيمينه ؟ فأجاب :
" المسلم العاصي يأخذ كتابه بيمينه ، لكن ولو أخذ كتابه بيمينه قد يعذب بسيئاته ، لكن لا يخلد في النار كما يخلد الكافر " ا.هـ.الإسلام سؤال وجواب.
هل تمحى الذنوب التي تاب منها العبد أم يجدها مكتوبة في صحيفته يوم القيامة؟
قال العلامة السفاريني- رحمه الله- في شرحه على معتقده: والصحيح كتبهم الصغائر المغفورة، وإن غفرت باجتناب الكبائر،قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة، ولا غيرها، بل لا بد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة. واستدل بقوله - تعالى "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا"الكهف: 49، وبقوله - تعالى "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ "الزلزلة : 8،7 .
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين، وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال الحسن في العبد يذنب ثم يتوب ويستغفر: يغفر له ولكن لا يمحاه من كتابه دون أن يقفه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاء شديدًا، وقال: لو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلال بن سعد: إن الله يغفر الذنوب ولكن لا يمحاها من الصحيفة، حتى يوقفه عليها يوم القيامة، وإن تاب.انتهى.إسلام ويب.
قال القُرطُبيُّ: فإذا وُقِفَ النَّاسُ على أعمالِهم من الصُّحُفِ التي يُؤتَونَها بَعدَ البَعثِ حُوسِبوا بها، قال اللهُ تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا "الانشقاق: 7، 8، فدَلَّ على أنَّ المُحاسَبةَ تَكونُ عِندَ إتيانِ الكُتُبِ؛ لأنَّ النَّاسَ إذا بُعثوا لا يَكونُون ذاكِرينَ لأعمالِهم. قال اللهُ تعالى"يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ "المجادلة: 6.
"وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ" ق: 21.
أي وجاءت كل نفس معها مَلَكان، أحدهما يسوقها إلى المحشر، والآخر يشهد عليها بما عملت في الدنيا من خير وشر.
رد مع اقتباس