![]() |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
123 ✍🏻أجرُ القرابة وأجرُ الصَّدقة! 🌳خطبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في النساء، وحثَّهُنَّ على الصدقة، فقال: "تصدَّقنَ يا معشر الناس ولو من حليِّكن". وكان بين النساء زينب زوجة عبد اللهِ بن مسعود، فرجعتْ إلى بيتِها وقالتْ له: إنكَ رجل فقير، وإن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أمرَنا بالصدقة، فأتِهِ فاسأله أيسعني أن أضعَ صدقتي فيكَ وفي بني أخٍ لي يتامى، وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال لها: بل ائتيه أنتِ! فانطلقتْ فإذا امرأة من الأنصار ببابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاءتْ تسألُ نفس السؤال، فقرعَتا الباب، فخرجَ إليهما بلال بن رباح، فقالتا: قُلْ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ امرأتين بالباب تسألانك أتُجزئُ الصدقة عنهما على أزواجِهِما، وعلى أيتامٍ في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. فدخل بلال على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبِرْه، فقال له: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ الزَّيانب؟ فقال: امرأة عبد الله بن مسعود فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لهما أجران: أجر القَرابة، وأجرُ الصَّدقة"! ▪️إنَّ في جعلِ الزكاةِ والصدقةِ في الأقارب أجران، أجر العبادة وأجر صلة الرحم، بشرط أن لا يكون دافع الزكاة ممن هو مأمورٌ بالإنفاقِ على من أعطاه! بمعنى أنه للزوجة أن تُعطيَ زكاة مالها لزوجها الفقير، وليس له أن يُعطيَها لأن النفقةَ واجبُ الزوج على زوجته! كذلك لا يُعطي الأبُ أولادَه من الزكاة والعكس، فهي لا تُدفع للأصول والفروع! إلا في حالات ضيقة ! ولكن تُعطى الزكاة للأعمامِ والأخوالِ والإخوةِ والأخواتِ وأولادِهم لأن النفقة ليستْ واجبة على هؤلاء! ▪️من إكرامِ الإسلام للمرأة أنه جعلَ مالَها لها فليس للزوج أن يأخذَ منها ولو درهماً بغيرِ رِضاها، على أن البيوت إنما تقومُ بالمعروف، وقد شاهدْنا عياناً أن أتعسَ البيوت هي تلك التي يتعاملُ فيها الأزواج على مبدأ هذا لي وهذا لك! غير أن الحقَّ حقّ ومال الزوجة لها! ▪️يُستحسنُ إن كان السؤال الذي يسأله المرءُ للشيخ أو المفتي مُحرِجاً أن يُخفي هويته، بكل بساطة يمكنك أن تسأل الشيخ السؤال على أنه لغيرك، فتستخدم التورية، كأن تقول أعرفُ رجلاً فعل كذا، فما الحكم؟ أو إن رجلاً لديه مال ويُريدُ أن يصنعَ كذا فما الحكم؟ على أنه يجوز للمُفتي أن يسألَ عن الشخص إن كانتْ القضيةُ تستوجبُ ذلك، كأن يسأل المرأةُ التي تُريدُ أن تتصدَّقَ على زوجِها إن كان زوجها فقيراً لأن الفقر شرط في الاستحقاق، ويا له من دِين، ويا لها من شريعة! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
124 ✍🏻حتى اللقمة! 🌳مرضَ سعد بن أبي وقاص في مكة عام حجة الوداع مرضاً شديداً حتى ظنَّ أنه سيموتُ منه، وجاءه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعودُه، فقال له سعد: يا رسول الله قد بلغَ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثني إلا ابنةٌ واحدة لي، أفأتصدَّق بثُلثي مالي؟ فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا قال: فأتصدَّقُ بنصفه؟ فقال له: لا فقال سعد: بالثُلث؟ فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بالثُلُثِ يا سعد، والثلثُ كثير، إنكَ أن تذرَ ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يتكفَّفون الناس، ولستْ بمُنفقٍ نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا آجركَ الله بها، حتى اللُّقمة تجعلُها في في امرأتك! ☘️ من هَدْيِ النُّبُوَّة أن يُفكِّرَ المرءُ بورثَتِه، وأن يتركَ لهم مالاً يستعينون به على نوائبِ الدهرِ بعده، فالدنيا مُتقلبة، ولا يؤُمن جانبها، ولكن هذا لا يعني أن يعملَ الإنسانُ جامع مالٍ لمن بعده وينسى نفسه من البِرِّ والصدقةِ والإنفاقِ في وجوهِ الخيرِ، حتى إذا حضرَه الموت قال لورثته، تصدَّقوا عني بكذا، واجعلوا لي صدقةً جاريةً بكذا، 👈🏻 املأْ صحيفتكَ بنفسكَ، تصدَّقْ أنتَ، وسابِقْ إلى الله بما آتاك، لا تجمع المال ثم تتركه لهم وتُحاسبُ عليه وحدكَ! 🔸النِّيةُ تجعلُ العادات عبادات! فاجعَلْ نواياك دوماً لله! ▪️الطعامُ الذي تشتريه لأُسرتك لا تربطه بمفهوم الواجب ولكن تحسسْ فيه الأجر، ففي كل كبدٍ رطبةٍ صدقة! ▪️والمالُ الذي تُعطيه لوالديك لا تربطه بمفهوم الواجب، وكي لا يقول الناس أنك لا تُنفقُ على أبويك، تحسسْ فيه البِر، تقرَّبْ به إلى الله، ورتِّل بهدوء "وبالوالدين إحساناً"! ▪️زيارةُ أختك التي وضعتْ مولوداً لا تربطها بمفهوم الطقوسِ الاجتماعيةِ والواجباتِ الأُسرية، تحسسْ بها صِلة الرحم، وتذكرْ كيف أن الرَّحِم مربوطة بالعرش من وصلها وصلَه الله ومن قطعَها قطعه الله! ▪️طبقُ الطعام الذي تُهديه إلى الجار لا تربطه بمفهوم المبادلة، وطبق بطبق، وهذا ما يفعله الناس منذ قِدم الدهر، تحسسْ فيه ما زال جبريل يُوصي بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه! تتشابه أعمال الناس وتختلف نواياهم، فاجعل الله دوماً في نيتك! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
126 ✍🏻الآنَ يا عمر! 🌳 كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماشياً في جماعةٍ من أصحابِه وهو ممسك بيدِ عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، واللهِ لأنتَ أحبّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليكَ من نفسك! فقال له عُمر: فإنه الآن واللهِ لأنتَ أحب إليَّ من نفسي! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الآن يا عُمر! 🌳وعن أنسٍ قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعين". 🔸وهذه المحبة وإن كانت عملاً قلبياً , إلا أن آثارها ودلائلها لابد وأن تظهر على جوارح الإنسان , وفي سلوكه وأفعاله , فالمحبة لها مظاهر وشواهد تميز المحب الصادق من المدعي الكاذب , وتميز من سلك مسلكا صحيحا ممن سلك مسالك منحرفة في التعبير عن هذه المحبة . 🔸على أنَّ للمحبة أمارات ثلاث: ▪️الأولى: أن تتذكرَ فضلَه عليكَ وكم تعبَ ليكُون لكَ دين تعبدُ الله به، أن تتذكرَه ليلةَ نُزولِ الوَحيِ وهو يرتجفُ من هَوْلِ المشهد، وأن تتذكرَه وقومه يُحاصرونه في شِعب أبي طالب، ويضعون على رأسه سلى الجزور، وينعتونه بالساحرِ والكاذبِ والمجنون، أن تتذكرَه في الطائف يُرجم، وفي الهجرة مُختبئاً في الغار، ويوم أُحُد ينزفُ دماً ويقول: كيف يُفلحُ قوم شجُّوا نبيهم! أن تتذكرَه يربطُ حجراً على بطنه من الجُوع، ويعتصرُ ألماً من سمٍّ دسَّتْهُ لهُ اليهودية في فخذِ الشاة! ▪️الثانية: أن تُكثرَ من الصلاةِ عليه قائماً وقاعداً وعلى جنبك، فإن المُحب يُكثرُ من ذِكرِ محبوبه، فاشغلْ لسانَك وقلبَك بالصلاةِ عليه فإنها كفاية الهم وغفران الذنب! ▪️الثالثة: إن أروع أشكال الحُب هو الاقتداء، الاقتداء به في سنته في جميع أمورك المشروعة، بل كان بعض السلف يقتدي به في فعل المباحات لما ترسخت عندهم محبته صلى الله عليه وسلم، فأين أنت منه صلى الله عليه وسلم في توحيده لربه جل وعلا، وتوكله عليه، واستعانته به في أموره كلها؟ وأين أنت منه صلى الله عليه وسلم في عباداتك؟ تصلي كما صلى وتجتهد في ذلك وتستشعر اقتداءك به في كل حركة من صلاتك، فتعمل كما عمل، وفي نفقتك وصدقتك، وفي صيامك، وفي ذكر الله تعالى واستغفاره، وفي قيام الليل، وكذلك في غير العبادات المحضة؛ كاللباس والزينة وسنن الفطرة والنوم ومعاملة الناس، وغيرها، ومن علامات محبته: محبة السنة والغيرة عليها والدعوة إليها |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
127 ✍🏻لا يصلح فيها شيء من كلام النَّاس! 🌳كان معاوية بن الحكم السلمي حديث عهدٍ بالإسلام، فجاء إلى المسجد، وأُقيمتْ الصلاة، ووقفَ مع الناس خلف النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبينما هم في الصلاة إذ عطس رجلٌ من القوم، فقال له مُعاوية: يرحمكَ الله! فجعلَ الناس كأنهم يلتفِتون إليه من غريب فِعلته! فقال: ثكلتني أمي، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم أي اُسكتْ! قال معاوية: ففهمتُ مرادهم فسكت، فلما انتهتْ الصلاة، اقتربَ مني النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بأبي هو وأمي ما رأيتُ معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، واللهِ ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال لي: "إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن"! 🔸مهما كان الحق معكَ، وحجتك دامغة، الأسلوبُ أولاً، لأن الأسلوب الخشن ينفِّر الناس ولو كان مضمون الكلام صواباً! إن الأسلوب الفج القاسي يبني جداراً بينك وبين الناس بحيث أنهم لا يعودوا يتقبلون التفكير في فكرتِكَ أساساً، وهذه حقيقة أقرها القرآن الكريم، ألم يقل الله تعالى لِنبيِّه الكريم: "ولو كنتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك"! 🔸لقد جاء بأصح فكرة في تاريخ البشرية ألا وهي التوحيد، وأصدقِ مضمونٍ ألا وهو الإسلام، وأنبلِ مهمةٍ ألا وهي إيصال الخلق إلى الله، ورغم هذا يخبره ربه أن كل هذا لم يكن ليتحقق لولا لِينِه ورحمتِه ورقةِ قلبه. ▪️فمهما كانتْ فكرتُكَ صائبةً لن تكون أصوب من فكرة التوحيد، ومهما كان مضمونكَ صادقاً لن يكون أصدق من الإسلام، ومهما كان قصدُكَ نبيلاً فلن يكون أنبل من إيصالِ الخلقِ إلى ربِّهم، وبهذا كله كان الأسلوب قبل المضمون! ▪️النصحُ لا يستغني عن اللُّطف، فإذا استغنى عنه صار هجاءً ولم يعد نصحاً! أيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصلاة أنت كافر وسوف تتعذَّب في قبرك وتدخل النار؟! وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ للسافرة لماذا أنتِ رخيصة ينظر إليك من هبَّ ودبَّ، وماذا تفرقين عن الغانيات! وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصيام أنتَ كالدابة لا همَّ لكَ إلا بطنك، لو كنتَ إنساناً لتركتَ الطعام لأجل ربك! ▪️نعم علينا أن ننكرَ المُنكرَ، وأن ندعوَ العُصاةَ، وأن نُبيِّنَ الحقَّ للناس، ولكن لا ندعو إلى الله إلا بما يُرضي الله. أرأيتَ حتى الغضبَ لله له أدب وضوابط! ➖➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
128 ✍🏻من يمنعكَ مني؟ 🌳 غزا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ناحية نجد، وفي طريق عودتِهِ أدركتْهُ شمس الظهيرة في وادٍ كثير الشَّجر، فأعطى أمرَه للصحابة أن يستظِلُّوا ويستريحوا قليلاً، فتفرَّقوا كل منهم في مكان، وتركوا له شجرةً ظليلة وابتعدوا عنه كي يستريح… فعلَّق سيفه ونام، فجاء رجل من المُشركين وأخذَ سيفه، وأخرجه من غمده، واستيقظ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له المشرك: ألا تخافني؟! فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا! قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله! فسقطَ السَّيفُ من يده! فأخذه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال له: فمن يمنعك مني؟! فقال: كُنْ خيرَ آخذٍ! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: تشهدُ أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أُعاهدكَ أن لا أقاتلكَ، ولا أكونُ مع قومٍ يقاتلونك! فقبلَ منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وخلَّى سبيله. فأتى الرَّجُلُ أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس! 🔸 فقوة يقين النبي -صلى الله عليه وسلم- بكفاية الله -تبارك وتعالى- له ،فهذا موقف يهتز فيه الإنسان، ويصيبه الذعر والخوف، فليس عنده أحد يحميه ،وهذا الإنسان بيده السيف ،والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعزل ليس معه شيء، ومع ذلك يقول له بكل ثقة: الله، فهذا فيه كمال اليقين مع كمال التوكل والتفويض إلى الله -تبارك وتعالى ▪️الشَّاهِدُ في القصة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَبِلَ من الرجل الحياد، أن لا يكون معه ولا يكون عليه، وهذه حكمةٌ عظيمةٌ في السياسة خصوصاً والحياة عموماً مفادُها: إذا لم تستطعْ أن تجعلَ من شخصٍ صديقاً لكَ فليس بالضرورة أن تجعله عدواً! ▪️للأسف لا يقبل الناس في أيامنا مسافةَ الحياد هذه، ويتصرَّفون على مبدأ: إذا لم تكُنْ معي فأنتَ ضدي! وهذا من أتفه مبادئ الناس! ▪️يقعُ خلافٌ بين صديقين، فتجدُ صديقاً لكليهما يُحافظُ على الود معهما، فلا يقف في صف هذا ولا صف ذاك، ويُحاول قدر المستطاع أن يُعيدَ الأمور بينهما إلى مجاريها، فإذا فشل استمرَّ على صداقة الاثنين، فلا يرضى أحدهما بذلك ويُخبره أن عليه أن يختارَ بينهما، إما أنا أو هو! فإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد قبلَ الحياد في قضية شركٍ وإيمانٍ من رجل رفضَ أن يُؤمن، فمن أنتَ حتى لا تقبل الحِياد في قضيةٍ من توافه الدنيا هي في الغالب خلاف في وجهات النظر، أو على شيء من المال، أو ربما بسبب قيلٍ وقال! ▪️ لماذا علينا أن نتعاملَ مع كل مشاكل الحياة على أنها حرب بين خندق الباطل وخندق الحق؟! لماذا علينا أن نكون جنوداً في حروبٍ ليس لنا فيها ناقة ولا جمل؟! ولماذا لا نفهم أن الذي ليس معي ليس ضدي؟! ➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
129 ✍🏻اللهمَّ لكَ الحمدُ على سارقٍ وزانية! 🌳 كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُكثر أن يَقُصَّ على أصحابه من أخبارِ الأولين، فحدَّثهم مرةً عن رجلٍ نوى أن يتصدقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد سارقٍ، فصار الناس يقولون: تصدِّق الليلة على سارق! وفي اليوم التالي عزمَ أن يتصدَّقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد زانيةٍ، فصار الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية! وفي اليوم الثالث عزمَ أن يتصدَّقَ بصدقةٍ، فوضعها في يد غنيٍّ، فصار الناس يقولون: تصدِّق الليلة على غني! فقال: اللهم لكَ الحمد على سارقٍ، وعلى زانيةٍ، وعلى غنيٍّ! ونام تلك الليلة، فرأى رؤيا، وقِيل له فيها: أما صدقتك على سارقٍ فلعلَّه أن يستعِفَّ عن سرقته، وأما الزانية فلعلَّها أن تستعِفَّ عن زِناها، وأما الغنيُّ فلعلَّه يعتبرُ فينفقُ مما أعطاه الله! 🔸للأسف إن الناس مجبولون على سوء الظنِّ، إذا وقف الطائعُ مع العاصي سيقولون لو لم يكن مثله لما وقف معه، قلة سيُحسنون الظنَّ ويقولون إنه يُحاولُ أن يأخذَ بيده إلى الله! 🔸وإذا وقفت الملتزمة مع غافلة، سيقولون عما قليل ستصبح مثلها، قِلة سيُحسنون الظنَّ ويقولون أنها تُعَبِّدُ لها بحُسنِ الخُلُقِ طريقاً إلى الله! 🔸إذا زارَ الداعيةُ تاجراً، سيقولون ذهبَ عنده يستعطيه لنفسه، قِلة سيحسنون الظنَّ ويقولون إنه يحُثُّه على الزكاة والصدقة، ويُخبره عن بيتٍ مُتعفِّفٍ يكفله، أو عمليةٍ جراحيةٍ مستعجلةٍ لفقير! ▪️إن سوء الظنِّ لا يُعطي حقيقة المظنون به وإنما يُعطي حقيقة الظَّان! كل إنسان أفكاره وظنونه على مقاسه، فلا تحكمْ على الآخرين من كلامِهم عن أنفسهم وإنما من كلامهم عن الآخرين! ▪️مشكلةُ كثير من المسلمين اليوم أنهم نصَّبوا أنفسَهم قُضاةً بينما أرادهم الله دُعاةً! عقليةُ القاضي تجعلك تقول يا له من فاجرٍ لا يُصلِّي، وعقليةُ الداعيةِ تجعلك تقول سأبتسمُ له، وأصافحُه، وأُهديه كتاباً أو محاضرةً، ولن أتركَه حتى أراه في المسجد! a ▪️عقليةُ القاضي تجعلكِ تقولين يا لها من سافرةٍ متبرِّجةٍ مفتونةٍ بالموضة والأزياء، وعقليةُ الداعيةِ تجعلكِ تقولين يا لهذا الجمال لو صانه الحجاب، وتجعلين الأمر مُهِمتك، حديثٌ حلوٌ عابرٌ، رِقةٌ في المعاملة، موعظةٌ خفيفةٌ، ولا تملي منها حتى تُشاهدي الحجاب يُزينها! 🔸وظيفةُ الأنبياءِ كانت على مر الدَّهر الأخذ بيد العُصاة إلى الله، فهنيئاً لكل من كان فيه شيء من نُبُوَّة! ➖➖➖➖➖➖aa |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
130 ✍🏻عند الصَّدمة الأولى! 🌳مرَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بامرأةٍ تبكي عند قبر ابنها، فقال لها: اتقي اللهَ واصبري! فقالتْ له وهي لا تعرفه: إليكَ عني فإنكَ لم تُصَبْ بمصيبتي! فتركها ومضى، فمرَّ بها رجلٌ فقال لها: هذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم! فقالتْ: واللهِ ما عرفته! فأصابَها من الكربِ ما أصابَها لمَّا علمتْ أنه النبي صلَّى الله عليه وسلََم خجلاً منه ومهابة، فأتتْ بيته، وقالت له: يا رسول الله لم أعرفك! فقال: "إنما الصَّبرُ عند الصَّدمة الأولى"! 💨وقال ابن حجر في رائعته فتح الباري: المعنى أن الصبرَ الذي يُحمدُ عليه صاحبه ما كان عندَ مُفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو، ولذلك قيل: كل شيءٍ يبدأُ صغيراً ثم يكبُرُ إلا المُصيبة، فإنها تبدأُ كبيرةً ثم تصغُر. 🔸واُنظُرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف تفهَّم نفسية المرأة المصابة بِفَقْدِ ابنِها، فعلى فظاظةِ جوابها لم يُجادلْها، ولم يردَّ عليها، وإنما تركها ومضى، وهذا درسٌ بليغٌ لنا في تحمُّلِ الشخص الذي ينزل به مصاب من فقدٍ أو مرضٍ أو فقرٍ مُفاجئٍ، فنجده على غيرِ ما اعتدنا أن نجدَه في ظروفه العادية، فالإنسان خُلِقَ هلوعاً، فلا تعتبروا كل جواب من مصابٍ أو فاقدٍ أو مكلومٍ مسألة شخصية، تفهَّموا حالته النفسية وتذكَّروا أن خيرَ الناس أعذرهم للناس! ▪️هذه الدنيا دارُ فقدٍ بالأساس، ما جاءَها أحد إلا غادرَها، الأنبياءُ والفجرةُ، الحكامُ والمحكومون، الفقراءُ والأغنياءُ، العُلماءُ والجُهلاءُ، وصحيحٌ أن فقدَ الأحبةِ غربة، ومُصابَ الموتِ أليم، إلا أن الرضى بقَدَرِ اللهِ بلسم، وبيوت الحمد في الجنة لا تُبنى لغيرِ الذين سلَّموا أمرهم لله ساعة الفقد، وأعظم الصبر ما كان عند الصدمة الأولى! ▪️لا عليكَ بالناصح ما دامت النصيحة صواباً! من الناس من يقبلُ الخطأ ممن يُحبه ويرفضُ الحق ممن يكرهه، وهذا من غَلَبَةِ الهوى، وغيابِ الحكمةِ والعقل، فلا تكُنْ كالمرأة في هذه القصة رفضَتْ أول الأمر نصيحة فيها حق لأنها لم تعرفْ الناصح! إذا أفسدتَ ذاتَ فقدٍ ومصيبةٍ، فتفوَّهْتََ بكلامٍ جارحٍ لأحد، فبادرْ بإصلاح ما أفسدت، فهذا من خُلُق النُبلاء، وقد كانتْ هذه المرأة نبيلة حقاً حين جاءت مُعتذرةً تُصلح ما أفسدَتْه، وهذا من خُلُقِ الأنبياء "فلمَّا سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح" وكان قد رماها ساعة غضب! ➖➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
131 ✍🏻وترجعون برسول الله! 🌳 كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مالٌ كثيرٌ حصلَ عليه من فَيْءٍ أصابَه، فقسمَ المالَ بين قُريشٍ وبين قبائل العرب، ولم يُعطِ الأنصار منه شيئاً! فأزعجَهم ذلك، فجاءَ إليه سيدهم سعد بن عبادة وقال له: يا رسول الله إن الأنصار قد وجدوا عليكَ في أنفسِهم من هذا الفَيْءِ الذي قسمته في قومك وفي قبائل العرب ولم تُعطهم منه شيئاً! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فأينَ أنتَ من ذلكَ يا سعد؟ أي ما رأيك؟ فقال: إنما أنا رجلٌ من قومي! أي أقول بقولهم. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: فاجمعْ لي قومكَ. فخرجَ سعدٌ فجمعَ الأنصار، ثم أتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّّم وقال له: قد اجتمعوا لكَ يا رسول الله. فأتاهم، وقال لهم: : يا معشر الأنصار : ما قالة ، بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ، وعالة فأغناكم الله ، وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا : بلى ، الله ورسوله أمن وأفضل . ثم قال : ألا تجيبونني يا معشرالأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ لله ولرسوله المن والفضل . قال صلى الله عليه وسلم : أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدقتم : أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك . أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا . ووكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار . وأبناء أبناء الأنصار . فبكوا حتى ابتلت لِحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً! 🔸أعطى الناس وحرمَ الأنصارَ، لا لأنه يُحبُّ الناس أكثر منهم، بل ليأْتَلِف قلوب الناس، ويأتي بهم إلى الإسلام، ولأنه يعرف أنَّ الإسلام في قلوبِ الأنصار كالجبال الرواسي، فلما أخذوا على خاطرِهم بيَّن لهم سبب فعلتِه فرضوا، الناسُ هم الناس يُحبون العطاء، وأن لا يستثنيهم أحد، ولكن بيِّنْ دوماً سببَ تخصيصك لفلانٍ حين لا تفعل مثله مع من تُحبه أكثر من الذي أعطيته، فالإنسان مفطور على سوءِ الظن، وتفسيرِ الأمور على غير ما هي، فلا تتركْ ملامةً في صدرِ أحد! 🔸وإياك أن تُفسِّرَ عطايا اللهِ للناس كما فسَّر الأنصارُ أول الأمر عطاءَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للناس، إذا رأيتَ من هو أغنى منك، وأكثر صحة وأولاداً، وأوسع داراً على أنه يُحبه أكثر منك، إن الله سبحانه يُعطي الدنيا لمن يُحبُّ ويكره من عباده، ولكنه لا يُعطي الإيمان إلَّا لمن يُحبُّه! 🔸إذا كنتَ تريدُ أن تعرف الذين يُحبهم الله أكثر منك، فهم أولئك الذين أَذِنَ لهم أن يعبدوه ويُطيعوه أكثر منك! الذين يُحبهم الله أكثر منك ليسوا أولئك الذين راتبهم أعلى من راتبك، وإنما الذين قاموا للفجر وأنتَ نائم، وتصدَّقوا وأنتَ تكنز، وبرُّوا آباءهم وأنتَ عاق، وتحجَّبنَ وأنتِ سافرة، وحجُّوا وأنتَ تقولُ غداً أحجُّ وغداً أعتمر! 🔆 كان موسى عليه السلام أحب إلى اللهِ من قارون، رغم أنه أعطى لقارون مالاً لم يُعطه لأحدٍ من خلقه، لقد أعطى عبده الذي يكره المال، ولكنه أعطى عبده الذي يُحبُّ الإيمان! صحيحٌ أن اللهَ قادرٌ أن يُعطيَ العبد المال والإيمان معاً، ولكن هذه الدنيا دار امتحان لا دار جزاء فتأدَّب أنتَ في حضرةِ قضاءِ اللهِ وقدرِه! ➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
132 ✍🏻الإياس ممّا في أيدي الناس! 🌳جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله أوصِني وأوجِزْ فقال له: "عليك بالإياس مما في أيدي الناس فإنه الغِنى، وإياك والطمع فإنه الفَقرُ الحاضر، وصلِّ صلاتكَ وأنتَ مُوَدِّع، وإياكَ وما يُعتذرُ منه"! 🔸جعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الغِنى في أن يرضى الإنسان عما قسمه الله له، ويكتفيَ به، ويحمدَ الله عليه، وجعلَ الفقرَ في النظر إلى ما في أيدي الناس! إن غناكَ وفقركَ في قلبكَ كيف يشعرُ، وفي عينك كيف تنظُر! 🔸الإنسانُ الذي ينظر إلى ما يملكه الآخرون لن يستشعرَ قيمة ما يملكُ أبداً، لو جرَّبَ الإنسان أن ينظرَ إلى ما في يده، ويستمتعَ به، لن يكون لديه الوقت ليحسد الناس على ما اُوتوا، وما أَوْرَدَ إبليس المهالك إلا الحسد، فحين أسجدَ اللهُ تعالى لآدم عليه السلام ملائكتَه، قال إبليسُ: "أنا خيرٌ منه"! وكثيرٌ من الناسِ يعيشون وفق مبدأ إبليس "أنا خيرٌ منه"! 🔸إذا مرَّ أحدهم بالبيتِ الجميل قال في نفسه لو أنه لي، وإذا مرَّ بالسيارة الفارهة قال في نفسه بمَ هو خيرٌ مني لتكون له، مثل هذا لن يسعدَ ولو ملكَ مالَ قارون، لأن فَقره في قلبِه! 🔸الإنسان الذي ينظُرُ إلى راتبه نظرةَ رضى، ويستشعرُ نعمةَ اللهِ فيه، كيف يسترُ حاجته، ويكفيه سؤال الناس، غنيٌّ ولو أتى آخر الشهر ولم يبقَ من راتبه شيء والذي ينظُرُ إلى فُلانٍ ماذا اشترى، وإلى علان ماذا ملكَ سيعيشُ فقيراً، ويموتُ فقيراً، فغنى الإنسان ليس في جيبه وإنما في قلبِه! 🌼 وصَلِّ صلاتكَ وأنتَ مُوَدِّع، تخيَّلْ كل صلاةٍ على أنها صلاتكَ الأخيرة، وبعدها ستُحمَلُ إلى قبرك، وعلى هذا الأساس صلِّها، استحضرْ فيها قلبكَ فأنتَ في حضرةِ الملك، ولا تستعجلْ بها خوفَ أن تفوتَك حاجة من حوائج الدنيا، أنتَ واقفٌ بين يدي قاضيَ الحاجاتِ، أتتركه لتعتمدَ على نفسك في قضاءِ حاجتك؟! استشعرْ الآيات وتدبَّرْها، تلذَّذْ بالفاتحة، بالحمدِ الذي حُرم كثير من الناس أن يُناجوه به، بالرحمةِ كيف أَذِنَ لكَ أن تقفَ لتعبده، بمالك يوم الدين الذي ترجو ثوابه وتخاف عقابه، بإياك نعبُد وإياك نستعين، باللجوءِ إلى غِناه من فَقرك، وإلى قوته من ضعفك، بإهدنا الصراطَ المُستقيم، تدبَّرْها، وأنتَ تتأمل الكون من حولك، تذكَّرْ عابدي البقرِ والشجرِ والحجرِ والمُلحدين، والذين حرَّفوا أديانهم، وقتها فقط ستعرِفُ لماذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لبلال: أرِحنا بها يا بلال! 🌼وإياك وما يُعتذرُ منه! اِمسِكْ عليكَ لسانكَ، لا تكن أهوجاً، تُقيم الدنيا ولا تُقعِدها لأجل موقفٍ عابرٍ، ولردةِ فعلٍ قاسيةٍ، ولكلمةٍ جارحةٍ ثم تأتي بعدها تعتذرُ وتتأسف، الاعتذارُ خُلُقٌ نبيلٌ لا شك، ولكن الكلمة الجارحة كإدخالِ مسمارٍ في الخشب، حتى لو نزعتَ المسمار بعد ذلك فإن أثر الثقب في الخشب سوف يبقى ماثلاً للعيان، وهكذا هو أثر الكلمة الجارحة في قلوبِ الناس! ➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
133 ✍🏻نِعمَ الرَّجل! 🌳كان عبدُ الله بن عُمر بن الخطاب شاباً أعزبَ ينامُ في المسجد، وكان الرَّجُلُ من الصحابةِ إذا رأى الرؤيا قصَّها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فتمنَّى عبد الله أن يرى رؤيا ليقُصها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وذات ليلة وهو نائم رأى في منامه أن ملكين أخذاه وذهبا به إلى النارِ فإذا هي مطوية كطيِّ البئر، وفيها ناس قد عرفهم، فجعل يقول: أعوذ باللهِ من النار، أعوذ باللهِ من النار! ثم استيقظ من نومه! ولما كان الصَّباح قصَّ رؤياه على أُخته حفصة، فقصَّتها حفصةُ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: "نِعمَ الرَّجُلُ عبد الله لو كان يقوم الليل"! فلم يتركْ عبدُ الله بن عُمر القيامَ حتى مات! 🌳وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: "نِعمَ الرَّجُلُ خُريم الأسدي لولا طول جُمته/شعره وإسبال إزاره"! فبلغَ ذلك خُزيماً، فأخذ على الفور شفرةً وقطع جُمَّتَه إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه! 🔸كان يكفي أحدهم أن يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم نِعمَ الرَّجُلُ فُلان لو يفعل كذا وكذا، فكان على الفور يلتزم الأمر ولا يتركه ما دام على قيد الحياة! يقومُ عبدُ الله بن عُمر الليلَ طوال عمره، ويقطعُ خُريمٌ جُمَّتَه ويرفعُ إزارَه ▪️ فعلنا نحن الفرائض فقط لأنه تمنى؟! ▪️هل حاسبْنا أولادنا على الصلاةِ كما نُحاسبهم على الدروس وعلاماتِ الامتحانات؟! ▪️هل أمرْنا بناتنا بالحجاب كما نأمُرهنَّ بالجدِّ والاجتهادِ والتحصيلِ في المدارس؟! ▪️هل برَرْنا آباءنا وأمهاتِنا لأن الأب أوسط أبواب الجنة، ولأن الجنة تحت أقدام الأمهات؟! ▪️هل وصلْنا أرحامنا لأن الرَّحِمَ مُعلقةٌ بالعرش فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله؟! ▪️هل أحسنَّا إلى جيراننا لأن جبريل ما زال يُوصي بالجارِ حتى ظنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه سيُورِّثه؟! 🔸تخيَّلوا أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاء إلى بيت أحدكم فجأة، تُرى ما الذي سيُعجبه إذا شاهده، وما الذي سيُزعجه! ثابروا على ما تظنون أنه سيُعجبه، وأصلِحوا ما تظنون أنه سيُزعجه، هكذا فقط يستحق أحدُنا نِعمَ الرَّجُلُ، ونِعمَ المرأة! ....... |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
134 ✍🏻 يا أنجشة: رفقاً بالقوارير! 🌳حجَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بنسائه، فلمَّا كان في بعضِ الطريق، أوكلَ لغلامٍ له اسمه أنجشة قيادة القافلة، فساقَ لهنَّ، فأسرعَ، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يا أنجشة، رفقاً بالقوارير! وبينما هم يسيرون إذ بركَ جملُ أُمِّنا صفية بن حُيي، فجعلتْ تبكي، فجاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين أُخبِرَ بذلكَ، فجعلَ يمسح دموعها بيده! 🔸ففي هذه القصة فوائد جمة وكثيرة، يستطيع كل زوجين أن يتعاملا مع هذا الموقف كدستور، ومنهج لحياتهم الزوجية، حتى تصبح سعيدة وجميلة. فمسح الدموع بيد الزوج نفهمه نحن مواساة ودعما لعواطف ومشاعر الزوجة، علما بأن سبب البكاء قد ينظر إليه الزوج من ناحيته على أنه سبب تافه، فالدموع والبكاء من أجل بروك جمل يعد من أحسن الجمال، هذا هو السبب، ومع ذلك لم يحقر النبي (صلى الله عليه وسلم) مشاعر صفية وعواطفها، بل احترمها ودعمها وأنزل القافلة كلها من أجلها. إن الدموع تكون غالية وثمينة إذا عرف كل طرف قدرها. وكم رأينا في المحاكم دموعا تنهمر من أزواج ومن زوجات، والطرف الآخر لا يقدر هذه الدمعة ولا يحترمها، بل ويتمني لو تنهمر من غير توقف. ▪️لو أنَّ رجلاً غيره رأى زوجته تبكي لأنَّ جملها توقَّف عن المسير لربما عنَّفها، وصرخ فيها قائلاً: أتبكين لسببٍ تافه؟! 🔸ولكنَّ الرحمة المُهداة رغم أنه كان يكفيه أن يُطيِّب خاطرها بكلمة، ولكنه لا يزهد بتمام الخُلُق، لهذا مسح دموعها بيده، وكأنه يقول لها: دموعكِ غالية يا صفية! ▪️النساءُ عاطفياتٌ، متقلباتُ المشاعرِ، يبكينَ عند أصغر الأزمات، وقد تشعرُ إحداهُنَّ بالضيق فتبكي لسبب لا تعرفه حتى هي! هذا شيءٌ على الرجالِ فهمه، والتعامل معه بجدية تامة، والتصرُّف باهتمام بالغ وكأنَّ هناك مُشكلة حقاً، وأي تصرُّف غير ذلك هو بوابة لمُشكلة حقاً! ▪️أحياناً لا تريد المرأة أكثر من أن تريها أنك تهتم! أنتَ حينَ تعودُ من العملِ وتشكو إليك همّ الأولاد، وعملها في البيت، هي لا تطرح لكَ مشكلةً، ولا تُطالبكَ بحلٍّ، هي تعرفُ جيداً أن هؤلاء أولادها وعليها أن تَصبرَ عليهم، وأنَّ هذا بيتها وعليها أن تهتمَّ به، ولكنها تريدُ منكَ أن تصغي باهتمام، وتمسكَ يدها وتُخبِرَها أنها امرأة عظيمة، وأنكَ لو كنتَ مكانها ما استطعتَ أن تقومَ بما تقوم هي به، هذا سيجعلها مُمتلئة رضى ➖➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
136 ✍🏻أفتَّانٌ أنتَ يا معاذ؟! 🌳كان مُعاذ بن جبل يُصلي مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المسجد، ثم يأتي قومه فيُصلي بهم إماماً، وفي إحدى صلواته بدأ يقرأ بسورة البقرة، فدخل في الصلاة خلفه الصحابي حرام بن ملحان، وهو يُريدُ أن يُصلي ثم يذهب إلى بستانه ليسقي نخله، فلما أطال معاذٌ في القراءة، تركه حرام بن ملحان وصلَّى وحده ثم انصرفَ إلى بستانه ليعمل فيه وإلى نخله فيسقيه، فلما انتهى مُعاذ من الصلاة أُخبِر بما كان من حرام بن ملحان، فقال: هو مُنافق! 🌳وعلمَ حرام بن ملحان بمقولة مُعاذ بن جبل عنه، فأتى النبيَّ صلّّى الله عليه وسلَّم يشكو إليه مُعاذاً، فإذا معاذٌ عنده! فقال: يا نبيَّ اللهِ، أردتُ أن أسقي نخلي، فدخلتُ المسجد لأُصلي أولاً، فلما أطال معاذٌ الصلاة، تجوَّزتُ في صلاتي، فلحقتُ بنخلي أسقيه، فزعمَ أني مُنافق! فالتفتَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مُعاذ وقال له: أفتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ؟! أي: مُنَفِّرٌ عَن الجَماعةِ لاتُطوِّل بهم، ولكن اقرأْ: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوها! مُعاذ بن جبل أعلمُ الأمة بالحلال والحرام كما قال عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان منه هذا الموقف، هذا لنعلمَ أنه لا معصوم في هذه الأُمة إلا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ لكل عالِمٍ هفوة، ولكل جواد كبوة، والإنصاف يقتضي أن لا نُذهبَ كل تاريخ العلماء والأفاضل أدراج الرياح إذا ما صدر منهم الخطأ، فالصالح ليس نبياً نهاية المطاف! ▪️نعم أخطأ مُعاذ حين اتَّهم حراماً في دينه، ولكن أكثر خطأ من مُعاذٍ هو ذاك الذي حملَ إلى حرامٍ مقولة مُعاذٍ عنه! علينا أن لا نكون رُسَلَ إبليس، وأن لا نمشي بالنميمة بين الناس، وقد كان حرامُ عاقلاً فراجعَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في شأن مُعاذ، ولكن ماذا لو أنه واجهه، وتطوَّر الأمر، فأمِيتوا الباطل بعدم ذِكره، ولا تحملوا إلا الخير، ودعوا مقولات الآخرين بالسوء عن آخرين تنتهي عندكم! ▪️إذا أراد الإنسان أن يُصلي لوحده فليُطِلْ ما شاء، ولكن من أراد أن يُصلي بالناس فعليه أن يرفق بهم ويُخفف عنهم، ففيهم المريض، والضعيف، وصاحب المتجر الذي أغلقه ريثما يعود، ومن عنده عمل أو موعد أو تنتظره عائلته في السيارة! وما يُقال عن الصلاة يُقال عن خطبة الجمعة، وقد كثُر الخُطباء الذين إذا صعدوا المنابر حبسوا الناس، فتراهم يخرجون من موضوع ليدخلوا في آخر، مع أن الكلام يُنسي بعضه بعضاً، وقصر الخطبة جزء من فقه الخطيب، فيا أيها العلماء الأفاضل ترفقوا بالناس! ➖➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
137 ✍🏻اسقِ يا زُبير! 🌳 كان للزبير بن العوام أرضٌ في أطرافِ المدينةِ المنورةِ فيها نخلٌ يسقيه من ساقية ماءٍ تمرُّ في أرضه، ثم في أرضِ جارٍ له من الأنصار. فشكا الأنصاريُّ الزُبير إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الماء يتأخَّر ليصله. فقال النبيُّ للزبير: اسقِ يا زُبير ثم أرسِلْ الماء إلى جارك. فغضبَ الأنصاريُّ وقال: ألأنَّ الزبير ابن عمتكَ؟! فتلوَّنَ وجهُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم قال: اسقِ يا زُبير، ثم احبسْ الماءَ حتى يرجع إلى الجَدْرِ! قَالَ الزُّبَيْرُ: واللَّهِ ما أحْسِبُ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ إلَّا في ذلكَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الآيَةَ. 🔸 الساقيةُ تمرُّ في أرضِ الزُبير أولاً، والمنطقُ والعُرفُ الزراعيُّ يقضي أن يسقيَ الزبير نخيله أولاً حتى يرتوي، ثم يُرسل الماء إلى جاره، ولكن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم طلبَ من الزُبير أول الأمر أن يسقيَ شيئاً يسيراً، ثم يُرسل الماء إلى جاره، فإذا سقى جاره عادَ الزُبير وأكمل، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذَ من حق ابن عمته الزُبير بخلاف العرف ليُرضيَ الأنصاري لِعِلْمِهِ أنَّ الزُبير سيُطيعه ولو قضى له بحقه ناقصاً تأليفاً للقُلوب، ولكن المصيبة هي أن الأنصاري لم يرضَ رغم هذا، واتَّهمَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بمُحاباةِ ابن عمته، عند ذلك قضى بالحُكمِ والعرف دون مُراعاة للمشاعر، الحقُّ أن يسقيَ الزبيرُ أرضه كلها حتى إذا ارتوتْ فاضَ الماءُ إلى أرضِ الأنصاري! 🔸يُعلِّمُنا النبيُّ صلِّى الله عليه وسلَّم درساً عظيماً في فضِّ النزاعات، وهو "الحل الوسط" الذي يقوم على الأخلاق لا على القانون! فالقانونُ واضح وهو في صف الزُبير، ولكن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم راعى أدب الجيرة، وتأليف القلوب، فأعطى الزُبير بعض حقه، وأعطى الأنصاري حقاً ليس له، لأن ظنه بالزُبير أنّه مع كسبِ القلوبِ لا مع كسبِ المواقفِ، ولكن بعض الناس على قول العجائز: رضينا بالبين والبين ما رضي فينا! 🔸في المشاكل التي تدخلُ بها حَكَماً، لا بأس أن تأخذَ من حقِّ من تعرف دِينه وكرمه وحسن أصله، لتُعطي خصمه لتُصلح النزاع وتفُضَّ الخلاف، لأنَّ استمرار العلاقات والإلفة بالتنازل، أفضل من قطعها بالقانون، أما إذا وصلَ الأمرُ لطريقٍ مسدودٍ فليأخذ القانون مجراه! 💨 كان في الجاهليةِ رجلٌ يقضي في الخصوماتِ بين الناس، يقصدونه من أرجاءِ جزيرة العرب، وكان له ابن وحيد ليس له غيره، وفي يومٍ من الأيام لاحظَ الابنُ بعضَ الحزنِ بادياً على وجه أبيه، فسأله عن السبب، فأخبره أنه حزين لأنه صارَ طاعناً في السِّن وأن الناس بعد موته لن تقصدَ بيته لحل النزاعات. فقال له الابن: أنا أقضي بينهم مكانك! فقال له الأب: إذا جاءك كريم وبخيل في خصام ماذا تفعل؟ قال: آخذ من حصة الكريم وأُعطي البخيل وأُصلحُ بينهما. فقال له: إذا جاءك بخيلان ماذا تفعل؟ قال: أدفعُ من جيبي وأُصلح بينهما. فقال له: إذا جاءك كريمان ماذا تفعل؟ فقال: يا أبتِ كريمان لا يحتاجان حكماً بينهما! فرحَ الأبُ بجواب ابنه، وقال: هذا البيتُ لن يُغلقَ بموتي! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
138 ✍🏻مثقال ذرَّةٍ من كِبر! 🌳كان الصحابيُّ حكيمُ بن حِزام من أشراف قُريش، وكان يطلبُ العِلم عند مُعاذ بن جبل، رغم أنه أكبر من معاذٍ بخمسين سنة! فقيل له: أنتَ تتعلَّمُ على يد هذا الغلام فقال: إنما أهلكَ الناس الكِبر! 🌳وعن الكِبر وخطورته، كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً يوماً بين أصحابه، فقال لهم: لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبر! فقال رجل: يا رسول الله، إنَّ الرَّجلَ يُحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً! فقال له: إنَّ الله جميلٌ يُحبُّ الجمال، الكِبَرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناسِ! 🔸وبَطَرُ الحقِّ هو ردُّه وعدمُ قبولِه بعدما تبيَّنَ وصارَ واضحاً جلياً! وما أكثر هؤلاء الذين يُجادلون على مبدأ عنزة ولو طارتْ! يجادلُكَ أحدهم في مسألةٍ فقهيةٍ عن الربا أو الميراث وهو بالكاد يعرف كيف يتوضأ، فتُحضِرُ له الآية، والحديث، وأقوال الأئمة، فيقول لكَ: لم أقتنع! وكأنه أبو حنيفة في الرأي، والشافعيُّ في القياس، ومالكٌ في الاستدلال، وأحمدُ في الترجيح! وما هو إلا الكِبر، وخالِف تُعرف! 🔸جرى بين ابن حزمٍ وبين أحد فقهاء الأندلس مُناظرة في مسألة، وانفضَّ المجلسُ على أن ابن حزمٍ هو الغالبُ فيها، فلما عادَ إلى بيته، تذكر كتاباً عنده، فقام يقرأ فيه، فتبيَّن له أن الحقَّ مع الرجل وليس معه، فوضعَ خطاً تحت المسألة، فقال له أحد تلامذته: ماذا تنوي؟ فقال له: أذهبُ إليه غداً وأُخبرُه بصواب رأيه وخطأ رأيي! فقال له: أتفعلُ بعد أن كانتْ الغلبة لكَ فقال ابن حزم: لو استطعتُ أن أذهبَ إليه الآن لذهبتُ! 🔸وما أكثر الكِبر في الحياة! تحصلُ الخصوماتُ بين الناس، ويدخلُ المُصلحون، ويَتبين للمُخطئ خطأه ولكنه يركب رأسه! وقد يأكل أحدهم حقَّ أخيه، فيعرف أنه الظالم، وما يمنعه أن يرجع إلا الكِبر! 🔸أما عن احتقارِ الناس فحدِّثْ ولا حرج! يظنُّ أحدهم أن شهادته، وماله، ووظيفته المرموقة تجعله ينظر إلى الناس من برج عال العلمُ الذي لا يجعلك متواضعاً جهلٌ آخر! وإبليس بالمناسبة من أعلم الخلق، ولكن ما أهلكه إلا الكِبر! والمالُ الذي لا يجعلك تستشعر فقركَ أمام الله هو فقرٌ آخر، وقارون بالمناسبة كان أغنى منك ولكن ما أهلكه إلا الكِبر! تواضعوا، فما تواضع أحد للهِ إلا رفعه! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
139 ✍🏻وهذهِ؟! 🌳 كان للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جارٌ فارسيٌّ مشهورٌ بجودة طعامه، فصنعَ يوماً طعاماً وجاء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعوه، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يُشيرُ إلى عائشة: وهذه؟ فقال: لا! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أحضُر! وفي مرَّةٍ ثانية صنعَ طعاماً وجاء إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يدعوه، فقال له وهو يُشير إلى عائشة: وهذه؟ فقال: لا! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: لا أحضُر! وفي المرة الثالثة، صنعَ الفارسيُّ طعاماً وجاء يدعوه، فقال له وهو يُشيرُ إلى عائشة: وهذه؟ قال: نعم! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الآن نعم! وقام هو وعائشة يتدافعان حتى أتيا منزله! طبعاً لا بأس أن يكون للزوج حياته الخاصة، فيقبل دعوة صديق له مُنفرداً، أو يذهب مع رِفاق العمل في نُزهة، والمرأة كذلك! وإنما المُشكلة أن تُجعل المرأة أثاثاً في البيت، وكأن الزوج يخجلُ بها! وانظُرْ لأدبِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولينه ورفقه، لقد نقلتْ كتبُ السيرة أنه دُعِيَ كثيراً إلى طعام وكان يذهبُ مع أصحابه، ولكن المسألة هنا مُختلفة، فالدعوةُ من جارٍ له، وقد تمَّتْ على مسمع عائشة، فكَرِهَ أن يذهبَ دونها تطييباً لخاطرِها، ومراعاةً لمشاعرها، لقد حرمَ نفسه مرتين من الطعام اللذيذ مراعاةً لمشاعرها، ولا شكَّ أنه بهذا الرَّفض قد امتلكَ قلبها، وعرفتْ كم هي غالية عنده! ثمة مواقف صغيرة، التفاتات بسيطة، تعني الكثير للنساء، وهي عندهُنَّ أثمن من الهدايا والبيت الفاخر، نحن نُمتلك من الداخل، نُشرِقُ وننطفئُ بأثر الأفعال في قلوبنا لا بقيمة الأشياء من حولنا، فإياكَ أن تُشعرها أنك تخجل بها! إن من لا يصنع قيمةً لزوجته لن يصنعَ لها العالم كله قيمة ➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
140 ✍🏻لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقتْ! 🌳سَرَقَتْ امرأةٌ من بني مخزوم، ورُفِعَ أمرُها إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاعترفتْ بفعلتِها، والاعترافُ سيِّدُ الأدِلة، والحُكم لا لبس فيه فالنصُّ واضحٌ صريح، قطع اليد! وحزِنَتْ قريشُ واغتمَّتْ لهذا، فبنو مخزوم فخذ عريق من قُريش في الجاهلية والإسلام، فأخذوا يبحثون عمَّن يشفعُ لها عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم اتَّفقوا أنه ليس لهذا الأمر إلا أُسامة بن زيد، حبيب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذلك كان أبوه من قبل! فجاؤوا إلى أُسامة وطلبوا منه الشفاعة، فذهبَ أُسامة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطلبَ منه أن يعفوَ عنها فلا يُقيم عليها الحدَّ، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "أتشفعُ في حدٍّ من حدود اللهِ يا أُسامة"؟ ثم قامَ، فصعدَ المنبر وقال: "إنما أُهلِكَ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحَدَّ، وأيمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنتُ محمَّدٍ سرقتْ لقطعتُ يدها"! 🔸لو كنتُ من أهل الحديث، وأردتُ أن أجمعَ فضائل فاطمة رضي الله عنها، لجعلتُ هذا الحديث أول الأحاديث في فضائلها، فكأنَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ليس على ظهر الأرض أحدٌ أحب إليَّ من فاطمة! وهذا معنى واضح نستخدمه في حياتنا اليومية، تخيَّل أنك مُدرِّسٌ مثلاً، وجاءك من يطلبُ منك أن ترفعَ علامات طالب راسبٍ، فقلْتَ له: واللهِ لو أنَّ أُمي طلبَتْ مني أن أرفع علاماته ما رفعتها، أنتَ بهذا المعنى تقول: أنه لا أحد أحبُّ إليك من أمك! ولكنَّ الحقّ حق! ▪️ما فسدَتْ البلادُ والبيوتُ إلا بسبب المُحاباة والواسطة وعقلية أنا من طرف فلان! يُعلَنُ عن الوظائف، فيتقدَّمُ إليها الناس، من يستحقُّ ومن لا يستحقُّ، فتجدُ من يملك الشهادة الأكاديمية، والكفاءة المهنية، يدرسُ ويستعِدُّ ويُراجعُ، وينجحُ، ثم يأخذُ الوظيفة غيره الذي أتى من طرف فلان! وهذه ليستْ خدمة لا للأقل كفاءة، ولا للمُتنفِّد الذي توسَّط له، وإنما هي سرقة وغِش، سرقة حق إنسان كانتْ له الوظيفة، وغِشٌ للأمة بأسرها، فحين يتقلَّد المنصب من ليس لديه الكفاءة ليقوم به ينعكس هذا على الناس جميعاً، وكُلما كانت الوظيفة أرقى، كان أثرها السيء أكبر، لأن الشريحة التي ستضرر منها أوسع! ▪️قبل أن تطلب الواسطة، تذكر أنك خطوتَ الخطوة الأولى في سرقةِ حق إنسان آخر! فالسرقة ليست محصورة في أن تمدَّ يدك لتأخذ مال غيرك، كل حقٍّ ليسَ لكَ تسعى لأخذهِ بطرقٍ ملتويةٍ هو سرقة! وقبلَ أن تَدُقَّ على صدركَ لتكون واسطةً لغيركَ تذكَّر أنك خطوتَ الخطوة الأولى في غِش الناس، فخدمةِ فردٍ واحدٍ على حساب أُمَّة جريمة وليستْ خدمة! ▪️إن صلاح الأُمم يبدأ في أن يتولَّى المناصب الأكفأ، بدءاً بسائقي الباصات العمومية وانتهاءً بالوزراء والرؤساء! وإن انحطاط الأمم يبدأ عندما تبدأ الواسطات والمحسوبيات! عندما يتساوى الناس أمام القانون، يُحاسَب القوي رغم قوته ويُنصَفُ الضعيف رغم ضعفه، عندما يُطبَّق مبدأ تكافؤ الفرص، فيتولَّى من يستحق، عندها فقط يمكن القول أننا صُرنا أُمَّة! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
141 ✍🏻اِصنعوا لآل جعفر طعاماً! 🌳جعفرٌ، وما أدراكَ ما جعفر؟! إنَّه الرجل الذي قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "أَشبهتَ خَلقِي و خُلقي"! إنَّه المجد من طرفيه! إنه الوسيم اللبِق، الفصيحُ الداهية الذي كان رئيس المُهاجرين إلى الحبشة، وعندَ النجاشي هزمَ عمرو بن العاص داهية قُريش وسفيرها! إنه الحبيب الأثير على قلب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد صادفَ عودته من الحبشة وقتَ فتح خيبر، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "لستُ أدري بأيهما أُسَرُّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر"! إنه الفارس المغوار، وقائد جيش المُسلمين بعد زيد بن حارثة يوم مُؤتة، ثُمَّ ما لبثَ أن ترجَّلَ شهيداً جامعاً المجد كله، مجد الهجرة ومجد الصُّحبة ومجد الشهادة! 🔸أما في المدينة، فكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينقلُ للمسلمين وقائع المعركة، ويرثي قادة جيشه واحداً بعد الآخر، إلى أن أخبرهم بميلاد سيف الله المسلول الذي نفَّذ انسحاباً ما زال يُدرَّسُ حتى اليوم في الكليات العسكرية! بكى الناس يومذاك أحبتهم، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم للناس: اِصنعوا لآلِ جعفرَ طعاماً، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم! 🔸ما أرقاه من نبي، وما أعظمه من دين: اصنعوا لآل جعفر طعاماً! الدنيا هذه دار فقد، اليوم نُودِّعُ وغداً نُوَدَّع، واليوم نَحمِلُ وغداً نُحملُ، ولكن هذا الدين دين رحمة في الرخاء والشدة، دين تكافل ورحمة ومواساة، ولا شيء يرحم جرح الفقد أكثر من وقوف الناس إلى جانب بعضهم البعض وتراحمهم! يُعلِّمنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن نصنعَ لآل الفقيد طعاماً، لأن ما نزلَ بهم من الحزن يشغلهم عن الاهتمام بهذه الأمور، والحياة سلفٌ ودَيْن! صنعَ لنا الناس طعاماً ذات فقد، وصنعنا لهم مثل ما صنعوا لنا لحظة فقدهم، على أنَّ الأمر أبعد من طعام ولُقمة في المعدة، إنه تربيتة على القلب المكلوم، ومسح على الصدر المحزون! وكُلُّ ما يُخفف عن أهل الفقيد يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: اِصنعوا لآل جعفر طعاماً! قد لا يملك أهل الفقيد داراً واسعة للعزاء فيا لحظِّكَ لو فتحتَ لهم داركَ! وقد لا يملكُ أهل الفقيد تكاليف العزاء فيا لحظك لو ساهمتَ معهم! وقد لا يملكُ أهل الفقيد سداد دين عليه، أو تكاليف مرضٍ ماتَ فيه، فيا لحظِّكَ وقد ساهمتَ معهم، فأحسنتَ إلى الحيِّ والميت! وما أجمل قول ابن القيم: الدين كله خُلق، فمن فاقكَ في الخُلق فاقكَ في الدين! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
143 ✍🏻اليد العليا خير من اليد السُفلى 🌳سأل حكيم بن حزام النبي صلى الله عليه وسلَّم مالاً فأعطاه، ثم سأله مرةً أخرى فأعطاه، ثم سأله مرةً ثالثة فأعطاه، ثم قال له: يا حكيم بن حزام إنَّ هذا المال خَضرةٌ حُلوة، فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السُفلى! فقال له حكيم: يا رسول الله، والذي بعثكَ بالحق لا أرزأ أحداً بعدكَ شيئاً حتى أفارق الدنيا أي لا أطلب من أحد شيئاً. ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بعده أبو بكر فكان يقسمُ المال بين الناس ويدعو حكيماً ليعطيه فيأبى أن يأخذ! ثم جاء عمر بن الخطاب وكان يقسم لحكيم نصيبه فيأبى أن يأخذه. فقال عمر: يا معشر المسلمين إني أُشهدكم على حكيم بن حزام أني أعرضُ عليه حقَّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. 🔸قالوا قديماً: المال أسوأ سيد وأفضل خادم! بمعنى أن من جعل جمع المال غاية كان كالعبد له، هدفه أن يزيده وينميه ولا يهمه أكان هذا من حلال أم حرام. ومن جعله وسيلة عاش كريماً ومات كريماً. على أن جمع المال ليس عيباً ولكن العيب أن تتحول من إنسان إلى آلةٍ لجمع المال! ▪️فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، أي أخذ بغير إلحاحٍ في السؤال، ولا طمع ولا حرص ولا إكراه للمعطي أو إحراجٍ له، كثر ونما وكان رزقاً حلالاً طُرحت فيه البركة وإستشعر الإنسان بلذته ▪️وقد قالوا: ما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام! ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارك له فيه، أي أخذه بإلحاح في السؤال، وتطلع لما في أيدي الناس، وإحراج للمعطي، مَحَقَ الله بركة ما أخذه، فلا يقنع ولا يرضى ولا يشبع! إن من صور عظمة الله أنه أحاج الناس إلى بعضهم واستغنى هو عن جميع خلقه! نعم تنزل بالإنسان حاجة، فيضطر أن يطلب وليس في هذا شيء، وقد أُمرنا بالتكافل والتعاضد، ماذا يفعل الفقير الذي احتاج عملية جراحية في مستشفيات لا ترحم؟ وماذا يفعل أبو العيال الذي أقعده المرض عن العمل؟ هؤلاء من واجبنا أن نبحث عنهم ونرحم حاجاتهم، والأجمل أن نعطيهم قبل أن يسألوا،فإن كثيراً من الناس تمنعهم كراماتهم من السؤال رغم حاجتهم وقد قال فيهم ربنا: " يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا" ولكن المصيبة في الذي لا يشبع، إذا ما وزَّع ميسور ربطات خبز على الفقراء أقام الدنيا ولم يقعدها لأنه لم يأخذ! وإذا ذبح جار أضحية خاصمه لأنه لم يعطه منها! وفي السلسلة الضعيفة للألباني: أُطلبوا الأشياء بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير! ➖➖➖➖➖➖ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة :
🍁 المقالة الأخيرة ✍🏻فَحَنَّ الجِذْعُ 🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أرادَ أن يخطبَ في الناسِ وقفَ على جِذعِ نخلةٍ كانَ في المسجدِ لأجلِ هذا، فلمَّا صنعوا له منبراً، ووقفَ يخطبُ عليه حنَّ الجِذعُ إليه، وسُمِعَ له أنين المُشتاق، فجاءَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ومسحَ عليه بيدِهِ الشَّريفةِ كالمُواسي لهَ فسكتَ أنينُه! وكانَ الحسنُ البصريُّ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ بكى، وقالَ للناسَ: يا عباد الله، الخشبةُ تحنُّ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم شوقاً إليهِ لمكانِهِ من الله، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائِهِ! 🔸وإلى هنا تنتهي سلسلة على منهاجِ النُّبُوَّةِ ولكن الحنين لا ينتهي، فأينَ يدكَ لتمسح بها على قلوبٍ تحنُّ إليكَ، أينَ وجهكَ ننظرُ إليه ثم بعد ذلك على الدُّنيا السّّلام، أين صوتكَ نسمعُهُ فنرتوي فإنَّ العطش إليكَ قد بلغَ الحناجر! 🔸نُحِبُّكَ يا رسول الله، واللهِ نُحِبُّكَ، وما تخلَّفنا عنك بإرادتِنا ولكنَّها مشيئة الله فرَضِيْنا بها! 🍃وددْنا لو كنا في مكة يوم نزلتَ من الغارِ ترتجفُ من هولِ الوحيِ لنضُمكَ كما فعلتْ خديجة! 🍃وددنا لو كنا معكَ يوم الطائف درعاً فتُصيبنا الحجارة بدلَ أن تُصيبك، أو على الأقل كُنا ضمَّدْنا جِراح قدميكَ بقُلوبِنا 🍃وددْنا لو كُنا معك َفي شِعب أبي طالب لنُطعمكَ بأيدينا فإن عجزنا واسيناكَ وجُعنا معكَ! 🍃وددْنا لو كُنا عند الكعبةِ حين وضعَ ابن أبي معيط سلى الجزور على رأسكَ وأنتَ ساجد لنأكله بأسناننا أو على الأقل نُعينُ فاطمة وهي ترفع أذاه عنكَ! 🍃وددْنا لو نمنا كلنا مع عليّ في فِراشِكَ لنَفديكَ! 🍃وددْنا كُلنا لو رافقناكَ مع أبي بكر في هجرتِكَ، لكُنَّا رصفْنَا لكَ الطريق بقلوبِنا يا حبيب قلوبنا! 🍃وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وصلتَ فننشدُ ملء حناجرِنا تحية لك! 🍃وددْنا لو كنا معكَ يوم بدر لنقول لكَ كما قالَ الأنصارُ: واللهِ لو خضتَ بنا برك الغمادِ لخُضناه معكَ وما تخلَّفَ منا أحد! 🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم أُحد لنقول للرُّماةِ: باللهِ عليكم لا تبرحوا أماكنكم، ولنستشرس بالدفاعِ عنكَ كما فعلتْ أُم عمارة، ولنمسح دمكَ الزكي الطاهر الذي سالَ على وجهِكَ، أو على الأقل لنضمكَ ونُواسيك بفقدِ عمكَ حمزة! 🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم الحديبية لنقول لكَ نحن جُندك في السِّلم والحرب! 🍃وددْنا لو كُنا معكَ يوم فتح مكة فنفرح لفرحكَ حين أظهرَ اللهُ دِينَه! 🍃وددْنا لو كُنا معكَ في حجةِ الوداعِ لنسمع وصاياكَ بصوتِكَ ونقول لكَ: نشهدُ أنكَ قد بلَّغتَ! 🍃وددْنا لو كُنا في المدينةِ يوم وفاتِكَ لنبكيكَ، ونُخبركَ أنَّ فِداكَ أنفسنا وآباءنا وأمهاتنا وأولادنا وأموالنا! عزاؤنا فيك قولك: موعدي معكم ليسَ الدُّنيا، موعدي معكم على الحوضِ، وإنَّا لنصدقكَ! وعزاؤنا فيكَ قولك: المرءُ مع من أحبَّ يومَ القيامةِ، وإننا والله نُحبُّكَ ➖➖➖➖➖➖ |
الحمدلله الذي بنعمته تتم الصالحات وبهذه المقالة الأخيرة نكون قد اتممنا سلسلة على منهاج النبوة بفضل من الله والحمدلله وأزكى صلواتِ الله وتسليماتِه على المبعوث رحمة للعالمين نبيِّ الرحمة وإمامِ الهدى سيدنا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين منقول |
| الساعة الآن 12:55 AM بتوقيت مسقط |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By
Almuhajir