![]() |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣1️⃣ ✍ هذه صفات المُؤمنين حقاً! وأخيراً فُتحتْ مكة، واستردَّتْ هويتها التي خلقها الله لأجلها، قِبلة التوحيد، ومهوى قلوب المؤمنين! لقد تخلَّصتْ من رجس الشِّرك الذي غزاها ذات جاهلية، ثم إنّ َالوقت قد حان لتطهيرِ جزيرة العرب كلها! يستدعي النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأسد الهصور عليَّ بن أبي طالب، ويُرسله على رأس سرية لهدم "الفُلْس" الصنم الذي تعبده قبيلة طيء… ولأنَّ علياً لا يبرح حتى يبلغ، أتمَّ المهمة بنجاحٍ، حطَّم الصنم، وعاد بالأسرى إلى المدينة، فوضعهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قرب المسجد حتى ينظر في أمرهم… وفي اليوم التالي وبينما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يهمُّ بدخول المسجد، إذ وقفتْ امرأةٌ وقالت له: يا محمد، إن رأيتَ أن تُخلي عني فلا تُشمتْ بي أحياء العرب، فقد هلكَ الوالد، وغابَ الوافد، فامنُنْ عليَّ منَّ الله عليكَ، فإن أبي كان سيد قومه، يفُكُّ العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظُ الجار، ويحمي الذِّمار، ويُفرج عن المكروب، ويُطعم الطعام، ويُفشي السلام، ويحملُ الكَلَّ، ويُعين على نوائب الدَّهر، وما أتاه أحدٌ بحاجةٍ فردَّه خائباً، أنا سَفَّانة بنت حاتم الطائي! فقال لها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هذه صفاتُ المؤمنين حقاً، ولو كان أبوكِ مسلماً لترحَّمنا عليه! ثم قال للصحابة: خلُّوا عنها فإنَّ أباها كان يدعو إلى مكارم الأخلاق! 🍂هذه صفات المؤمنين حقاً! هنا مربط الفرس، ومَطِيَّة الكلام! دِينك الحقيقي ليس في مسجدك، ولا على سجادة صلاتك، ▪️دينك الحقيقي أمانتك في متجرك، ووظيفتك! ▪️دِينُك الحقيقي في تواضعك بل ذُلِّكَ أمام أبويك، في إحسانِك مع إخوتك وأخواتك، في الصبر على زوجتك، في رحمة أولادك! دِينُك الحقيقي كيف أنتَ مع جيرانك! ▪️دِينُك الحقيقي حين يُجمع مالٌ لمريضٍ وأنتَ قادر على المُساعدة، فتعطي أو تبخل! ▪️دِينُك الحقيقي حين يخوض الناس في أعراض الناس أمامك، فتمشي معهم، أو تُمسك عليكَ لسانك وتحفظ للغائبين غيبتهم! ▪️دِينُك الحقيقي حين تصِلُ إلى مسامعك ذنوب فلانٍ وفلانة، فتستر ولا تخوض في أعراض الناس، أو تفضح! ▪️دِينُك الحقيقي حين يُلقى إليكَ بالسرِ، فتحفظ أو تُفشي! 🍂 إن التوحيد والصلاة والصيام وسائر العبادات هي حق الله على العبد، وهي نصف الدِّين، أما نصفه الآخر فكيفَ أنتَ مع الناس، وإنَّ التديُّن الذي لا ينعكس على السلوك هو تديُّن أجوف! وإن الإيمان الذي لا يجعلك رقيقاً وكريماً ومأمون الجانب هو إيمان ناقص! 🍂صحيح أن الأخلاق كلها لا تشفعُ للمرءِ إن ماتَ على الكُفر، ولكن الإيمان الذي ليس فيه أخلاق هو إيمان أعرج، وما أجمل مقولة ابن القيم: إنَّ الدِّين كله خلق، فمن فاقكَ في الخُلق، فقد فاقكَ في الدِّين! ~~~ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣3️⃣ ✍أنا النبي لا كَذِب! كانت غزوة حنين علامة فارقة بين غزوات النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمسيرُ قصير، والعدو قليل عدداً وعِتاداً، فبدتْ يومذاك النتيجة مضمونة، والخصم لُقمة سائغة، والنصر مجرد وقت! كلُّ الأسباب مُهيَّأة إذن، حتى أن الصحابة يومها اغتروا فقالوا: لن نهزم اليوم من قِلة! 🍂غير أن ربَّ الأسباب أرادَ أن يُربِّي هذه الأمة ويعلِّمَها أن تأخذ بالأسباب لا أن تركن إليها! وأن النصر بيده سبحانه لا بأيديهم التي تحمل السيوف وترمي الرماح! 👈🏻والتقى الجيشان، وهُزم المسلمون أول المعركة، وفر كثيرٌ منهم، عندها اقتحم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جيش المشركين وهو على بغلته يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب! ثم استفاقَ المُسلمون مما حلَّ بهم، أحاطوا بنبيهم، وأصلحوا النية مع ربهم، فكان النصر! 🍂مقارنة طفيفةٌ بين حنين وبدر تخبرك بسرِّ النَّصر! في بدر كانتْ موازين القوى تميل إلى قريش بشكل واضح، ولكن المسلمين علقوا الأمل بالله، والتجأوا إليه سبحانه، وموقفهم يومذاك يلخصه حمزة بن عبد المطلب حين نظر إلى جيش قريش فقال: إن كل ما أمامي لا يُخيفني، هم أكثر منا عدداً ولكننا بالإيمان أكثر قوة! 💥هذا الافتقار إلى الله، هذا التجرُّد من الأسباب والتعلق بربِّ الأسباب هو الذي جلبَ النصر، فربطَ الله على قلوبِهم، وأمدَّهم بالملائكة، جبريل شخصياً يمتطي صهوة حيزوم ويقود فرقة المدد الإلهي! أما في حُنين فاختلفت النظرة إلى المعركة، واستصغروا العدو واستكبروا أنفسهم، فخلَّا الله بينهم وبين عدوهم حتى كادت أن تحلَّ الكارثة، ولكنه لما حصل التأديب الرباني، وفهم المسلمون الدرس سريعاً، وتبرَّأوا من الأسباب وتعلَّقوا بربها، عاد المُسلمون سيرتهم الأولى أمام أعدائهم! ◼️ما يُقال في حق هذه الأمة يُقال في حق الأفراد أيضاً! ما اعتمدَ أحد على الله إلا هيَّأ له من الأسباب ما يُريه فيه ثمرة الاعتماد والتوكُّل عليه سبحانه، وما اعتمدَ أحد على الأسباب إلا أركنَه الله إليها! ◼️يؤدِّب الله الإنسان مرتين: مرةً إذا أخذ بالأسباب ونسي أنها بيد الله، ومرةً إذا أهملَها نهائياً! ادرسوا، واجتهدوا، ولكن اعلموا أن النجاح بيدِ الله، لا تدخلوا إلى الامتحانات مُتَّكِلين على عقولكم وإنما على ربكم! تعالجوا، وابحثوا عن الدواء ولكن اعلموا أن الشفاء بيد الله، لا بيد الطبيب، وفي علبة الدواء! اعملوا، وتاجروا، ولكن اعلموا أن الرزق بيد الله، وأن العمل إنما هو باب ولكن الرازق في السماء! ما قالَ إنسان أنا، ومني، وعندي، ولي إلا أحياه الله حتى يرى ضعف أناه، وقِلة ما عنده، وعجز قدرته! وما قال إنسان أنا بالله، ومع الله، وإلى الله إلا أحياه الله حتى يرى أن من كان مع الله كان معه، فعلِّقوا قلوبكم بالله! منقول ~~~ |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣4️⃣ ✍ لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك! كانتْ ليلة ظلماء، لا قمر في كبد السماء يُبدِّد شيئاً من عتمتها، ولم تكُن المُدن قد عرفتْ الإنارة بعد، ولكن قمراً من لحم ودم كان يَسيرُ في طُرقات المدينة، فسمعَ أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن في داره، فأُعجبَ بصوته، فوقف يسمع تلاوته. فلما انتهى أبو موسى من التلاوة أكمل طريقه… وفي الصباح لقيه، فقال له: يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمعُ لقراءتك البارحة، لقد أُوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود! فقال له أبو موسى: يا رسول الله، لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً! 🌴وقفَ يسمعُ القرآن وهو الذي تلقَّاه من جبريل مباشرة، فحفِرَ في قلبه كنقشٍ لا يُمحى ولا يزول، ثم في الصباح يُثني على أبي موسى، يُخبره عن عذوبة صوته، وعن أنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود، داود عليه السلام تحديداً، ذاك الذي كان إذا سبح سبحتْ معه الجبال والطيور بأمر خالقها "يا جبال أوِّبي معه والطير"! 👈🏻الثناء على قدرات الآخرين من أدب الأنبياء، أما رأيت موسى عليه السلام من قبل قد قال: "وأخي هارون هو أفصحُ مني لساناً"! ▪️ونكران مزايا الآخرين، واعتبار الإنسان نفسه فلتة عصره، ووحيد زمانه هو خلق إبليس، أما رأيت أنه قد قال من قبل "أنا خيرٌ منه"! ▪️إذا استمعت إلى محاضرةٍ وأعجبتكَ وأثَّرتْ فيك فمن النبل لو أثنيتَ على المُحاضر، فالناس مهما بلغوا من التفوق والنجاح يُسعدهم أن يسمعوا كلام الثناء! ▪️إذا رأيتَ موظفاً عندك قد عملَ عملاً ناجحاً فأثنِ عليه، من العيبِ أن لا نرى إلا الأخطاء، فنكون كالذباب الذي لا يقع إلا على قذارة، وما أجمل أن نكون كالنحل لا يقف إلا على الزَّهر! ▪️إذا دعيتَ إلى مأدبة، ورأيتَ كل شيءٍ مرتباً، ووجدتَ الطعام شهياً، فاشكر صاحب البيت على حسن ضيافته، وأخبره أن يشكر زوجته نيابةً عنكَ، فهي الجندي المجهول الذي لم تره ولكنك رأيت حسن صنيعه! 🌿 وأنبل من هذا كله أن تُثني على الذين يملكون مهارة من جنس مهارتك ونبوغك، فلو كنتَ كاتباً وقرأتَ كتاباً لغيرك أثنِ عليه! وإذا كنتَ موظفاً ناجحاً، ورأيتَ زميلاً لك قد أبدع في فكرةٍ أثنِ عليه، وشجِّعه، إن الأمم إنما تنهضُ بالتلاحم لا بالتناحر، ودع عنكَ أخلاق الضرائر التي تريد كل واحدة منهن أن تحظى بقلب زوجها، كن شريكاً وداعماً ولا تكن ضرَّة! إذا زرتِ جارةً لكِ وأعجبكِ ترتيب بيتها فامدحي في ترتيبها، وإذا أهدتْ إليكِ جارةٌ طبقاً من طعام ووجدتِه لذيذاً فأخبريها أنها طاهية ماهرة، جميعنا نحتاج أن نسمع كلام الثناء على الأشياء الجيدة التي نفعلها! 👈🏻وقمة النُبل أن نُثني على مزايا الأخرين في غيابهم، لماذا علينا دوماً أن ننتف ريش الغائبين، ونتحدث عن سلبياتهم، للناس مزايا أيضاً فلنتحدَّثْ عنها، 🌾 وعندما تحدَّثَ موسى عليه السلام عن مزايا أخيه إنما تحدَّثَ بها مع الله وهو أعلم بهارون عليه السلام من موسى، فكيف بكَ إذ تتحدَّث عن صفات جميلة لشخص عند شخص لا يعرفه! *** |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣5️⃣ ✍إنكَ امرؤٌ فيكَ جاهلية! لم يُفرقِ الإسلام بين المؤمنين جميعِهم أمامَ اللهِ سبحانه وتعالى؛ فلا تَمايُزَ بِالأنسابِ ولا الأحسابِ، ولا بِالعِرْقِ ولا بِاللَّونِ، وإنَّما التَّمايز بِالعملِ الصَّالح والتَّقوى فقطْ 👈🏻وقد كان أبو ذر رضِي اللهُ عنه قد شتم رجلًا وعيَّره بأُمِّه، فلمَّا سمعه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «أَعَيَّرتَه بِأمِّه؟» يعني: شَتمتَه ونَسبتَه إلى العارِ بأُمِّه؟ 👈🏻«إِنَّك امْرُؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ»، يعني: فيك صفةٌ مِن صفاتِ الجاهليَّةِ ▪️والمعنى أن تعيير الناس بأحسابهم وأنسابهم من أخلاق الجاهلية التي كانت متفشِّية في العرب، وبهذا المعنى تقسم الجاهلية إلى قسمين: ▪️-قسم زماني انتهى بمجيء الإسلام ▪️-قسم سلوكي باقٍ في الناس حتى يرِث الله الأرض ومن عليها! والإنسان يكون على قرب من الجاهليين بمقدار ما فيه من أخلاقهم! السبب في أنَّ الناس أبيض وأسود وأحمر وأسمر فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك. ، وصححه الألباني وغيره. ▪️والذي يعتقد أنه أرقى من الآخرين لمجرد أن لون بشرته مختلف هو إنسان متخلِّفٌ من ناحية علمية، وفيه جاهلية من ناحية دينية! ▪️الذي يعملُ في مهنةٍ شريفة ليس بالضرورة شريفاً، والذي يعملُ في مهنة وضيعة ليس بالضرورة وضيعاً، بعض الأطباء لا يستحقون أن يكونوا بشراً أساساً، وبعضهم كأنهم ملائكة في صورة بشرية! وبعض أصحاب المهن كذابون غشاشون، وبعضهم عنده من الأخلاق والأمانة والصدق والوفاء أكثر مما عند أهل الطبقات المخملية،👈🏻 وتصنيف الناس بحسب مِهنهم ورواتبهم عقلية جاهلية! ▪️حبُّ الوطن شيء، والدفاع عن الأخطاء التي ترتكبها حكومة الوطن شيء آخر، الأول فطرة وإيمان،👈🏻 وقد كانتْ مكة أحب بقاع الأرض إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال يوم غادرها والحزن يعتصره: واللهِ إنكِ لأحب البلاد إليَّ ولولا أنَّ قومكِ أخرجوني ما خرجتُ! أما الثانية فجاهلية عمياء، ودفاع عن الباطل، وقد قال الشاعر قُريط بن أُنيف يصفُ حالة التحزُّب الأعمى للقبيلة: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً! ▪️نعم نحبُّ أهالينا، ونُساعدهم وننصرهم، ولكن عندما يكونون على حق، ولكن التحزب للقريب والصديق وهو ظالم، فهذا من أخلاق الجاهلية، وإن الإسلام جاء ليُعلِّمنا أن الحقَّ هو الذي يُنصر بغض النظر عن صاحبه، والباطل هو الذي يُعادى بغض النظر عن صاحبه، وقد أبدَلَنا الله خيراً من الجاهلية، هذا الدين الحنيف السمح، والعيب أن نُسلم ونتخلَّق بأخلاق الجاهلية! |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣6️⃣ ✍حتى تلقوني على الحوض! 🌾ولَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً على بعض أمور المُسلمين، فقامَ رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملتَ فُلاناً. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنكم ستلقون بعدي أثرةً، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض! 🍃ومن لطيف ما قرأتُ، سارَ بشرُ الحافي في طريقٍ ومعه رجلٌ، فعطِشَ هذا الرجل، فقال لبشرٍ: دعنا نشربُ من هذا البئر! فقال له بشر: اِصبرْ حتى نصل إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها، قال له مجدداً: اِصبرْ إلى البئر الأخرى، فما زال يعلله ويصبره حتى وصلا إلى حيث يريدان، فقال له بشر: هكذا تنقطع الدنيا، بالصبر! ▪️أما بيت القصيد فهو: اصبروا حتى تلقوني على الحوض! ولعلَّ هذا أبلغ ما قيل في التَّثبيت في تاريخ البشرية، وما أحلاه من تصبير، وما أغلاه من تثبيت، فضعْها دوماً نصب عينيك، تأمَّلْها كلما لاحت لك معصية، وتذكَّرْ أن الدنيا إنما تنقطع بالصبر، والأيام كلها ستنجلي بحلوها ومرها، ولا يبقى فيها إلا أجر الطاعة أو إثم المعصية! ▪️إذا ضاقتِ الحال الاقتصادية بك، وارتشى الناس من حولك، فاقبض أنت على جمرِ دينك، وتخيل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكَ: اصبرْ حتى تلقاني على الحوض! ▪️إذا نزلَ بكَ مرض عضالٌ، تذكَّرْ أن أنَّاتِ المريض مع الرضى بقدرِ الله تعدل تسبيح الذاكرين، وأنها مجرد أيام ستمضي، وتخيَّل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لك: اصبرْ حتى تلقاني على الحوض! ▪️إذا خُلِعَ الحجاب من حولك، وكثُر التبرج طمعاً في العريس تارةً، وإظهار الجمال تارةً أخرى، فلا تفقدي إيمانك، العريس رزق، وكل إنسان سيأخذ رزقه رغماً عن هذا العالم، فتمسكي بحجابك، وتزيني بعفتكِ، وتخيلي النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكِ: اصبري حتى تلقيني على الحوض! ▪️إذا ظلمكم الأقربون، وهجركم المحبون، وقيل فيكم ما ليس فيكم، فتذكَّروا أن الناس قد قالوا عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: كذاب، وساحر، ومجنون! فأين نحن منه كي نسلم من الناس، عزوا أنفسكم أنكم المظلومين لا الظالمين، والمفترى عليهم لا المفترين، وكلَّما ضاقتْ، تخيلوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لكم: اصبروا حتى تلقوني على الحوض! ~~منقول |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣7️⃣ ✍جمرة من نار! 🌴 رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خاتماً من ذهبٍ في يدِ رجل من الأنصار، فنزعه من يده، ثم طرحه أرضاً وقال: "يعمدُ أحدكم إلى جمرةٍ من نارٍ فيجعلها في يده"! فقِيل للرجلِ بعد أن مضى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: خُذْ خاتمكَ انتَفِعْ به! فقال: لا واللهِ لا آخذه أبداً وقد طرحه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم! 🍃درسٌ عظيم من دروسِ الدعوةِ إلى الله تعالى، يقابله درس عظيم في الاتِّباع! قارِنوا بين موقف النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع الأعرابي الذي جاء من الباديةِ وبَالَ في المسجد، فنهرَه الصحابة، فأمرَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يترفَّقوا به، ولا يرفعوا أصواتهم في وجهه، وبين موقفه من الأنصاري الذي اتخذ خاتماً من ذهب! ▪️إنَّ الفارق بين التصرفين ليس بسبب التفاوتِ بين الفعلين، ولا يستنتج من الموقفين أنَّ التبوُّل في المسجد أمرٌ يسير، وأنَّ خاتمَ الذهب للرجال كبيرةٌ من الكبائر، وإن كان محرَّماً بلا خلاف! وإنما الفارق بسبب الشخص الذي ارتكب المخالفة، فالأول أعرابي جاهلٌ، جاء من البادية لا يعلم من هذا الدين شيئاً، وتصرَّفَ بسبب عادته ومألوفه، أما الثاني فمن أهلِ المدينة، ومن الصحابة، وقد عَلِم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن الرِّفق بالأعرابي لحداثةِ إسلامِهِ أصلح لحاله، وأن الحزم مع الأنصاري لنيله شرف الصحبة، ومعايشةِ أهل الإيمان أصلح لحالِه! 🔸صحيح أن الرفق مطلوب مع الجميع، وقد كان عليه السَّلام رفيقاً بأصحابه، ولكنها حادثة مفردة، أراد فيها أن يعلمنا أن العتب على قدر المحبة، واللوم على قدر الإيمان والسَّابقة، وأن الناس لا يعالجون بدواء واحد! 🔸هذا درس الدعوة، أما درس الاتباع فهو امتناع الأنصاري عن أخذِ الخاتم وبيعه بعد أن طرحه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من يده، مع أن الحُرمة في لبس الخاتم وليس في بيعه، ولكنه كره لعظيم إيمانه أن يلتقطَ خاتمه وقد رماه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم. ▪️يا لحلو الاتباع، وجمال الانصياع والتسليم لأمر النُّبُوَّة! لقد كرهَ أن يأخذَ خاتماً ألقاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع أن أخذه حلال كما تقدَّم، فهل كرهنا نحن ما ألقاه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أخلاق وتصرفات وهي حرام! ▪️لقد طرح الرِّبا أرضاً وهو حرام فهل تركناه، وقلنا سمعاً وطاعة فإن الحلال يُشبع وإن قلَّ، وإن الحرام لا يكفي وإن كثُر! ▪️لقد طرح قطعَ الرَّحم، فهل وصلْنَا أرحامنا، وتغاضينا مرةً وتجاهلنا مرةً كي يستمر الود، لأن هذا خلق الأنبياء وقد "أسرَّها يوسف في نفسه ولم يُبدها لهم"! ▪️لقد طرح عقوق الآباء والأمهات، فهل بَرَرْناهم، وتذكَّرنا أن الوالد أوسط أبواب الجنة، وأن أحق الناس بحسن الصحبة الأم، وقد قِيل للحسن البصري: أيختصم المرءُ مع أبويه؟ فقال: ولا مع أحذيتهما! ▪️لقد طرحَ الإساءة إلى الجار، فهل كُنَّا خير جيرانٍ لجيراننا وتذكرنا أنَّ جبريل عليه السلام ما زال يُوصي النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظنَّ أنه سيُورِّثه! ما سُمِيَ الإسلام إسلاماً إلا لأنه مشتقٌّ من الاستسلام لأمر الله وأمر رسوله، فهل قُلنا سمعنا وأطعنا؟! منقول *** |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣8️⃣ وأنتَ صحيح شحيح! 🌴جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: يا رسول الله، أيُّ الصَّدقة أعظمُ أجراً؟ فقال له: أن تتصدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقرَ وتأملُ الغنى، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغت الحُلقوم، قُلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كان لفُلان! 🔸اِشبعوا من العباداتِ وأنتم في كاملِ الصحةِ والعافيةِ قبل أن يُحالَ بينكم وبينها! تلذَّذوا بالسجود وأنتم أقوياء، ضعوا جِباهكم الشابة على الأرضِ له، قبل أن يجلسَ أحدُكم على كرسيٍّ ولا يستطيع من السجود أكثر من أن يحني رأسه إلى الأمام قليلاً! صحيح أن السُّجودين يقبلهما الله، ولعلَّ ساجداً على كُرسيه، قد سجدَ قلبه وكل عضو فيه، ولكنَّ العبادة في حال القوة أحب إلى الله، فالمرض يكسرُ الإنسان، ويُقرِّبه إلى الله بالفطرة، أما القوي الذي يختار أن يسجد فكأنه جاء يقول لربه: سجدَ لكَ هذا الرأسُ على ما فيه من مشاغل، وخشعَ لك هذا القلبُ على ما فيه من أهواء! 🔸تلذَّذوا بالحج وأنتم أقوياء، طوفوا على أقدامكم، واسعوا بين الصفا والمروة، واَسرِعوا الخطى حيث أسرعتْ أمنا هاجر خطاها، وارجموا بأيديكم، قبل أن يجلسَ أحدكم على كرسي مدولب يطاف به حول الكعبة، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويُوكِّل فلاناً وفلاناً ليرجم مكانه! صحيح أن اللهَ يقبلُ العبادةَ من العبد على حسب قدرته، وربما طائفٌ على كرسي وكل أعضائه تطوف حباً وخِشيةً، ولكن لذة العبادة عن قوة، وأن يُؤدِّيها المرءُ بنفسه لا يعدِلُها شيء! 🔸اِشبعوا من الصيام وأنتم أقوياء، قبل أن يباغتَكم العُمر والضغط والسكري وقرحة المعدة فتدفعون الكفَّارات وتتمنَّون أن يرجعَ بكم العُمر لتصوموا حتى النوافل! صحيح أن الله يقبل من المسلم الكفارة رحمة منه، ولكن أن يحال بين العبد والطاعة دون أن يشبع منها في شبابه وقوته شعور مُوجع جداً، مُخطئٌ من يعتقد أن المُسنَّ الثريَّ ارتاح واستراح والكفارة لا تُكلِّفه شيئاً، واللهِ إن في قلوب المسلمين المرضى الذين حُرموا الصوم حرقة! 🔸تلذَّذوا بالصَّدقة وأنتم أقوياء، ألف راتب لو شئت أن تُنفقه لما كفاك، متطلبات الحياة كثيرة، وكمالياتها أكثر، وكل شيء يذهب وتبقى الصدقة، عوِّد نفسك أن تقتطع من راتبك ولو شيئاً يسيراً، وسمِّه مال الصدقة كما تقتطع من راتبك وتُسميه مال الكهرباء، ومال فاتورة الهاتف، ومال البقالة! لا تكن جامع مال يأخُذه الورثة بعدكَ وتحاسب عليه وحدكَ! لا تنتظر لحظة العجز والنوم على فراش آخر العمر، حيث لم يعد المال يلزمك كثيراً ثم تقول اعطوا فُلاناً وفُلاناً، صحيحٌ أن الله يقبل الصَّدقة على أيِّ حال ولكن شتَّان بين من يتصدَّق رغم أنه يحتاج هذا المال لشيءٍ من الكماليات وبين من وصل إلى آخر العمر ثم استفاقَ على نفسه! منقول ~~~~ |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
4️⃣9️⃣ ✍فقالوا: مُراءٍ! 🌾لمَّا نزلتْ آية الصَّدقة، اجتهدَ الصحابةُ في الإنفاق، فجاءَ رجلٌ فتصدَّقَ بشيءٍ كثير. فقال بعض الناس: هذا مُراءٍ! وجاءَ رجلٌ آخر فتصدَّقَ بصاعٍ. فقال بعض الناس: إنَّ الله غنيٌّ عن صاعِ هذا! فنزلَ قولُ اللهِ تعالى: "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخرَ الله منهم ولهم عذابٌ أليم"! 🔸يبدو أنَّ بعض الأشياء لا تتغيَّر على ظهرِ هذا الكوكب، في كلِّ مجتمعٍ سنجدُ فئةً لا عمل لها إلا التَّنظير الفارغ، والدُّخول في نوايا الناس، عيَّنوا أنفسهم قُضاةً على خلق الله، وجلسوا يُصدرون الأحكام، ويُوزِّعون الناس على الجَنة والنار، وهؤلاء لو أردتَ أن تنتقدَهم فإنك تحتار من أين تبدأ! ▪️الشابُّ الذي يرتادُ المساجد عندهم مُعقَّد، والذي لا يذهب إلى المساجد مُنحلّ! ▪️الفتاةُ التي تلتزمُ الحجاب الشرعي عندهم جاهلة بالموضة و"دافنة نفسها"، والفتاة التي لا تتحجَّب عندهم لا تعرف الله! ▪️الذي يُقيم موائد الإفطار عندهم شخصٌ يُحبُّ الظهور، والذي لا يُقيمها بخيل! الذي يقضي وقتاً طويلاً في بيتِه مع عائلتِه عندهم مُنطوٍ وغير اجتماعي، والذي يخرجُ كثيراً مُهملٌ لبيته! ▪️التي تصنعُ الحلويات في منزلها عندهم بخيلة، والتي تشتري الحلويات من المحلات عندهم مُبذرة! 🔸هكذا هم يبحثون في كل فضيلةٍ عن رذيلة هي في أنفسهم! ▪️إذا استمعَ الشابُ لكلامِ أبويه قالوا ضعيف الشخصية! ▪️إذا التزمتْ الفتاةُ بيتها قالوا "دقة قديمة"! ▪️إذا عملَ أحدٌ بوظيفتين ليكفي نفسه ويستغني عن أمثالهم قالوا: أكلتْهُ الدنيا! ▪️إذا بكى إمام في الصلاة قالوا: مُمثلٌ بارع! 👈🏻أمثال هؤلاء على الإنسان أن يهربَ منهم ومن مجالسِهم كما يهربُ من الطاعونِ والجربِ والجُذامِ، لأن حالهم كحالِ جحا وابنه مع الناس! ركبَ جحا وابنه حماراً لهما، فقالوا: يا للحمار المسكين يركبه اثنان! أنزلَ جحا ابنه وبقيَ هو راكباً، فقالوا: يا للأب القاسي، يركبُ ويتركُ ابنه يمشي! نزل جحا وأركبَ ابنه، فقالوا: يا للولد العاق يركبُ ويتركُ أباه يمشي! فقررا أخيراً أن يمشيا ويجرا الحمار، فقالوا: مجنونان معهما حمار ويمشيان! منقول ~~~ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣0️⃣ ✍فإن لهم ذمةً ورحماً! 🌾لو رأيته يوم حاصرَ الأحزابُ المدينةَ، وضاقتْ على المسلمين هذه الأرض بما رحبت، وصاروا بين فكي كماشة: أعداءُ الخارجِ الذين توحدوا ضدهم، وعدوُّ الداخلِ الذي ينقضُ عهدَه في كل مرةٍ! كيف كان يبشِّر أصحابه بفتحِ بلاد فارس والروم، لقُلْتَ أية ثقةٍ باللهِ يملكُها هذا النبي، ثم انهزمَ الأحزاب، ودار الزمان، وفُتِحَتْ بلاد فارس والروم، "وما ينطقُ عن الهوى"! 🌿وعن الفتوحِ التي لن يشهدَها، قال لأصحابه: "إنكم ستفتحون مصرَ، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذِمَّةً ورحِماً، وفي روايةٍ أخرى ذِمَّةً وصِهراً! 👈🏻وأما الذِمَّةُ فهي الحُرمةُ والحقُ، 👈🏻 وأما الرَّحِمُ الذي قصدَه فَلِكَوْنِ هاجر أُم إسماعيل عليه السَّلام من مِصر، وأما الصِّهر فَلِكَوْنِ زوجته مارية من هناك! ▪️وٱنظُرْ لهذه العقيدة التي يُرسيها، إنه يجعل المؤمنين من عهدِ آدم عليه السلام حتى قيام السَّاعة عائلة واحدة! لأجل هاجر يُسمِّي بلداً كاملاً رحماً ويأمرُ بِصِلَتِهِ، ولأجل مارية يجعلُ ملايين الناس أَصْهُرة ويأمرُ بإكرامِهم! ولأجلِ عينٍ ألفُ عينٍ تكرمُ! ▪️ثم يأتيك من يقول: الإسلامُ امتهنَ المرأةَ وسلبَها حقوقها! وهل على الأرض دين يُكرمُ بلداً كاملاً لأجل امرأة واحدة! ▪️فإن كان قد أوصى أن يُكرَمَ أهل بلدٍ لأجلِ أنَّ زوجته منه، فهل أكرمْنا نحن أهالي زوجاتنا فقط اقتداءً بسنته، وعملاً بوفائه وحسن أخلاقه! الحماةُ أمٌّ ثانيةٌ، والحمى أبٌ ثانٍ، وإكرامُهما وبِرُّهما خُلُقٌ رفيع، والإحسانُ إليهما من حسن العهدِ، وحسن العهد من الإيمانِ كما قالَ سيدُنا! أما عن الزوجة، فٱنظُرْ لقيمتِها من خلال هذه الحادثة: حجَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقصرَ الصلاةَ في مِنى، ثم حجَّ أبو بكرٍ فقصرَ الصلاةَ أيضاً، ثم حجَّ عُمر فقصرَ الصلاةَ كذلك، ولما حجَّ عُثمان بالناسِ أتمَّ الصلاة، فلمَّا سُئِل عن ذلك قال: يا أيُّها الناس لما قدمتُ تأهلتُ بها، وإني سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "إذا تأهَّلَ الرجل ببلدةٍ فإنه يُصلي بها صلاة المقيم"! وعلَّق الشنقيطي في أضواءِ البيان على هذا الحديث قائلاً: إذا تزوَّج المُسافرُ ببلدٍ، أو مرَّ على بلدٍ فيه زوجته أتمَّ صلاتَه، لأن الزوجة في حكم الوطن! وهذا مذهب مالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمد، وبه قال ابن عباس! 🌿هل يوجد دين على الأرض غير الإسلام الزوجةُ فيه وطن! ~~ |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣1️⃣ ✍وإنما لكل امرئٍ ما نوى! رجلاً هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها: أم قيس كانت قد أسلمت، لا يريد بذلك فضيلة الهجرة فكان يقال له: مهاجر أم قيس 🌾وهذه القصة هي سبب حديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشهير: "إنَّما الأعمالُ بالنياتِ وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ، ومن كانتْ هجرتُهُ لدُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ ينكِحُها فهجرتُهُ إلى ما هاجَرَ إليه"! 🍃لتكون العبادة مقبولة عند الله فلا بُدَّ أن يتحققَ فيها شرطان، فإن غابَ أحدهما صارتْ عبادةً باطلة، وهما: إخلاصُ النيةِ لله تعالى ومُوافقةُ العبادةِ للشَّرع. بمعنى من صلَّى الظُهر خمس ركعات وهو في نيته ينوي أن يتقرَّبَ إلى الله لم تُقبلْ صلاته فرغم صلاح النية إلا أن الصلاةَ هذه بركعاتها الخمس مُخالِفةٌ للشريعة! ومن تصدَّقَ على إنسان يُريدُ أن يُرِيَ الناس أنه مُتصدق لم تُقبل صدقته، فهذا وإن وافق عمله ضوابط الشريعة إلا أن نيته ليستْ خالصة، وعليه قِسْ كل العبادات والأعمال! 🍃ومن عظيم أمر النيّة أنه قد يبلغ العبد منازل الأبرار ، ويكتب له ثواب أعمال عظيمة لم يعملها، وذلك بالنيّة ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما رجع من غزوة تبوك : ( إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيراً ، ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم ، قالوا يا رسول الله : وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة ، حبسهم العذر ) رواه البخاري ⚡وهنا بيت القصيد: لكل امرئٍ ما نوى! حتى الملائكة لا تعلم النوايا، وحده الله سبحانه يرانا من الداخل، وحده يعلمُ الغايةَ من وراء الفعل، ونحن لم نُؤْمرْ بأكثر من أن نحكمَ على الناسِ بالظاهرِ ونتركَ السرائرَ لربِّ السرائرِ! ▪️ يذهبُ اثنان إلى المسجد للصلاة، أحدهما يُريدُ وجه الله، والآخر يُريدُ أن يراه الرَّجل الذي ينوي بعد أيام أن يخطبَ ابنته، ولكلِّ امرئٍ ما نوى! ▪️يذهبُ اثنان إلى زيارة مريض، أحدهما يُريدُ وجه الله، لا مصلحة له ولا غاية، والآخر يُريدُ ثمن هذه الزيارة، واسطة إن كان مُتنفِّذاً، وصدقة إن كان غنياً، ولكلِّ امرئٍ ما نوى! ▪️يعزمُ اثنان أقاربهما على مائدةِ طعام، أحدهما يُريدُ صلةَ الرَّحم، وتأليفَ القلوب، وجمعَ العائلة، والآخر يُريدُ أن يتفاخرَ ببيته وماله، اشتركا في الفعل واختلفا في النية، ولكل امرئٍ ما نوى! 👈🏻ومن قبل هذا بآلاف السنوات، أرادتْ زُليخة يُوسف عليه السلام لنفسها، فاستعصمَ، ثم فرَّ يجري نحو الباب ليهربَ بعفته ودينه، وقامتْ هي تجري وراءه تُريدُ أن تُرجعَه إليها، لقد "استبقا الباب" كلٌّ يجري إليه، ولكن لكل واحد منهم نيته، أحدهما يهربُ من المعصية، والآخر يركضُ إليها، فتذكر دوماً، النوايا مناطُ الأعمالِ، ولكل امرئٍ ما نوى! _____ ___ |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣2️⃣ ✍اِرمِ فداكَ أبي وأمي! 🌾كان سعد بن أبي وقاص(سعد بن مالك) من أرمى الصحابةِ بالقوسِ، ولمّا كان يوم غزوة أُحُد، رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً من المُشركين قد أثخنَ بالمُسلمين، وقتلَ منهم، فتناولَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سهماً من كِنانته، وأعطاه لسعدٍ وقال له: اِرمِ فداكَ أبي وأمي! فأخذ سعدٌ السَّهم، ووضعه في قوسه، ورمى به الرَّجُلَ المشركَ، فأصابه قُربَ قلبه فسقطَ ميتاً 🌿ما جَمع رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ، غيرِ سَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فإنَّه جَعَلَ يقولُ له يَومَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. 🌳يُعلمنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن نأخذَ بالأسباب، فيوم أُحُدٍ لبسَ درعين لا درعاً واحداً، رغم أنه أكثر أهل الأرض يقيناً أن هذه الدروع لن تحميه من الموت لو أنَّ الله سُبحانه قدَّر له أن يموتَ يومها، ولكنه كان يأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، ويعتمدُ على الله كأن الأسباب لا شيء! 🌳 وٱنظُرْ إليه كيف يأخذُ سهماً من كنانته ويُعطيه سعداً، لم يجلسْ يومها في خيمته، بل كان في قلبِ المعركة، ▪️ وهذه رسالةٌ عظيمةٌ لكل قائدٍ في مجاله، للمُديرِ في شركته أن اِنزلْ إلى الأرض، وتابعْ أمورك بنفسك عن قُرب! للوزير أن لا تعرف عن الناس ما يصلك من تقاريرِ معاونيكَ فقط، شاهِدْ كيف تجري الأُمور بنفسك، التقِ مع الناس واسمعْ منهم! ▪️للآباء أن ينزلوا من أبراجهم العاجية قليلاً، ساعِدْ زوجتك في المطبخ، حُلَّ لولدٍ فرضاً، اروِ لبنتٍ قصةً، علِّمْ طفلاً سورةً من القرآن، الأبُ ليس جامع َمالٍ فقط، وما يحتاجه الأولاد أكثر من مسكنٍ ورغيفٍ، ثمة فرق شاسع بين التربيةِ والإعالةِ! 👈🏻درسٌ نبويٌّ آخر، لقد أعطى السَّهم لسعدٍ لِمَا يعرفه عنه من مهارةٍ في الرَّمي، حتى في خِضَمِّ المعركةِ كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يضعُ الرجل المناسب في المكان المناسب، السَّهمُ لأفضل رامٍ، وقيادةُ الجُند لحمزة أفضل من يعرفُ شؤون الحرب من الصَّحابة، هذه الأُمَّة لن تستعيدَ مجدَها حتى تضع الرجل المناسب في المكان المناسب! ▪️التشجيعُ والتحفيزُ يُخرجُ أفضل ما في الناس، تماماً كما أن الانتقاد الفارغ واللوم الدائم يُصيبهم بالإحباط، ويقتلُ فيهم مهاراتِهم ومبادراتِهم للإبداع! اِرمِ فداك أبي وأمي! كلمةٌ تقولها العربُ للتحبُّبِ والتشجيعِ والتقرُّبِ، ورغم أن الوقت وقت حرب، والمعركة على أشُدِّها، لم ينسَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يشجِّعَ أصحابه، فلِينُوا، وشجِّعوا، وحفِّزوا، يُعطيكم الآخرون أقصى قدراتهم! ~~ |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣3️⃣ ✍ما لكِ يا أم السائب؟! 🌳 دخلَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على أمِّ السائب في مرضِها فقال: ما لكِ يا أُمَّ السائب تُزفزفين/تتحركين حركةً شديدة؟! فقالت: الحمى، لا بارك الله فيها! فقال: لا تسُبِّي الحمى فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِبُ الكيرُ خبث الحديد! 🌳ودخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أعرابيٍّ يعوده، فقال له: لا بأس، طهور إن شاء الله. فقال متعجباً: طهور! كلا بل هيَ حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فنَعَمَ إذًا))؛ يعني: أرشَدْتُك بقولي: لا بأسَ عليك إلى أنَّ الحُمَّى تُطهِّرك وتنقِّي ذنوبك، فاصبِر شكرًا عليها، فأَبَيْتَ إلَّا اليأسَ والكُفْران، فكان كما زَعَمْتَ، وما اكتفَيتَ بذلك؛ بل رَدَدتَ نِعمةَ الله؛ قاله غَضبًا عليه. 👈🏻إنَّ الله سبحانه وتعالى من رحمته يبتلي المسلمَ بالمرضِ لأحدِ أسبابٍ ثلاثة: ▪️الأول: أنه يُريدُ أن أن يُكفِّرَ عنه خطاياه التي عملها حتى يقدمه عليه نقياً مستحقاً برحمته دخول الجنة بلا سابقة حساب ولا عذاب! ▪️الثاني: أنه يراه قد ابتعدَ عنه، فيَبتليه بالمرضِ ليرققَ قلبه ويُعيده إليه، فإن الإنسان إذا مرضَ انكسرَ وآبَ حينها يرفعُ عنه ما هو فيه، وللهِ المثل الأعلى ألا ترى أنَّ الراعي إذا شردتْ إحدى أغنامه عن القطيع رشقها بالحجارة فإذا عادتْ إليه أمسكَ الرَّجم عنها؟! ▪️الثالث: أنَّ الله سُبحانه قد يكون خلقَ لعبدِه المُسلم مرتبة عاليةً في الجنةِ لا يبلُغها بعمله في الدنيا فيبتليه بالمرض ليرفع درجته ويستحقَّ ما خُلق له! 🍃أحسِنوا الظنَّ باللهِ، وآمنوا إيماناً لا يُخامره شكٌّ أن اللهَ سُبحانه غني عن عذابنا، وأنه أرحم بنا من أمهاتنا، فتأدَّبوا في بلائكم، توجَّعوا بالحمد، وزيِّنوا الأنين بالاستغفار وابحثوا في أنفسكم عن أحد الأسباب الثلاثة! ⚡إن كان لكَ ذنوبٌ ولا أحد منا إلا وله فقُلْ يا ربِّ لكَ الحمد إذ تُطهِّرني مما اقترفته، فإن بعض الدواء مُر! ⚡وإن كنتَ ابتعدتَ بعد قُربٍ، فقل يا رب لكَ الحمدُ، ابتعدتُ عنك فلم تزهدْ بي وتُريدني أن أرجع، ها قد عدتُ! ⚡وإن لم يكُن لك لا هذا ولا ذاك، ورأيتَ المرض أكبر من خطاياك وابتعادك، فقل له لك الحمد ربي، ظني بكَ أنكَ قد خلقتني لمرتبةٍ في الجنة لم يبلُغها عملي فأردتَ أن تجبرَ تقصيري لأنالَها! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣4️⃣ ✍فإني أتكشَّف! 🌾قال عبد الله بن عباسٍ لتلميذه عطاء بن أبي رباح: ألا أُريكَ امرأةً من أهل الجَنَّة؟! فقال: بلى! قال: هذه المرأة أتَتِ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت: يا رسول الله، إني أُصرَعُ، وإني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ لي! فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجَنَّة، وإن شئتِ دعوتُ اللهَ أن يُعافيكِ! فقالتْ: بل أصبر، ولكني أتكشَّفُ! فادعُ اللهَ ليَ أن لا أتكشَّف! فدعا لها. 👈🏻كانتْ المرأةُ تُعاني من نوبات الصرع، فإذا أصابتْهَا النوبة سقطتْ أرضاً، ربما وهي في لحظةِ غيابِ وعيٍ سقطَ حجابها عن رأسها أو انكشف شيء من عورتها، فجاءتْ إلى طبيبِ القلوبِ والأبدانِ تسأله الدُّعاء، فخيَّرَها بين الشفاء فوراً، وبين أن تصبرَ والعوض الجنة، فاختارتْ الجنَّة على الفور! ▪️وهذه حادثةٌ مخصوصةٌ بهذه المرأة، فليس للمريض أن يقعدَ في بيته ولا يطلب الشفاء عند الأطباء احتساباً للأجر، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تداوى وأمرَ بالتدواي، ولكنه عرضٌ لا يُفوَّتْ، وكانتْ المرأة حاذقة فعلاً، فاختارتْ الحياة الباقية، على الحياةِ الفانيةِ التي سيزول نعيمها أو شقاؤها بالموت! 👈🏻ولكني أتكشَّف! هنا مربط الفرس لقد هانَ على المرأة نوبات الصَّرع ولكنه لم يَهُنْ عليها أن يسقطَ حجابها عن رأسها أو أن تنكشفَ عورتها، فما بال نساء المسلمين قد زهدنَ بالحجاب فسرَّحنَ شعورهن للناظرين من غير صرع! وكشفنَ الرقابَ والسواعدَ من غير مسٍّ، ولبسنَ ما تعرفون جميعاً اتباعاً للموضة، لماذا هانتْ المرأة على نفسِها عند هذا الحد؟! هذا بالنسبة إلى غيرِ المُحجبات، أما عن حجاب التبرُّج فحدِّث ولا حرج! ▪️الحجابُ ليس تغطية للشعر فقط، فأنتِ لستِ طباخة تخافُ أن يسقطَ شيء من شعرها في الطعام، ولستِ طبيبة وضعتْ قبعةً على رأسها في غرفة العمليات كضرورةٍ من ضروراتِ التعقيم، حتى صرنا لا نجد فرقاً بين المُحجبة وغير المُحجبة في اللباس إلا قطعة القماش التي تُغطي بها شعرها! ▪️الحجابُ لباس ساتر للجسد لا يَصِف ولا يَشِف وأي شرط يسقطُ فهذا ليس حجاباً، إنها عبادة هوى، تُشبه أن يُصلي المرءُ الظهرَ ثلاث ركعات! العباداتُ تكون وفق ما جاء به الشرع، أما تغطيةُ الشعرِ برقبةٍ مكشوفةٍ، أو بنطلونٍ ضيقٍ، أو كنزةٍ تُظهر المفاتن أكثر مما تسترها فهذا حجاب موضة وليس حجاب التزام! ▪️أما عن عُطور بعض المُحجبات ومساحيق التجميل فحدِّث ولا حرج! ▪️اتقوا الله في أنفسِكن، وفي الشباب، وفي هذا الدين الذي تحمِلْنَه فإنكنَّ قُدوات، وتخيلنَ لو أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأى إحداكُنَّ في حجاب الموضة هذا فماذا سيقول لها؟! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣5️⃣ ✍ نافق حنظلة! 🌾خرجَ حنظلة بن الربيع من بيته ضَجِراً، فلَقِيَهُ أبو بكر الصديق في الطريق وسأله: كيف أنتَ يا حنظلة؟ فقال: نافق حنظلة! فقال له أبو بكر: سبحان الله، ما تقول؟ قال: نكون عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنَا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً! فقال أبو بكر: فواللهِ إنَّا لنلقى مثل هذا! فانطلقا حتى إذا أتيا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له حنظلة: نافقَ حنظلة يا رسول الله! فقال له: وما ذاك؟ قال: نكون عندكَ تُذكرنا بالجنة والنار كأننا نراها رأي العين، فإذا خرجْنا من عندك عافسْنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً! 🌳 فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتْكُم الملائكة في الطرقات، لكن يا حنظلة ساعة وساعة! ▪️تفقَّدْ قلبكَ، راقبْ دوماً مِقدارَ الإيمان والخشية فيه، تعظيمَه لحُرُماتِ الله، رأفتَه ورقتَه على خلق الله، انصياعَه للحق، حبه للدين وأهله، وكراهيتَه للكُفر وأهله، ما خرجَ حنظلة من بيته ضَجِراً إلا لأنه تفقَّدَ قلبَه فلم يجدْهُ ذاك القلب الذي يجدُهُ عند النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم! يعز على المؤمن أن يتراجع في الطريق إلى الله، يؤلمه النوم كل الليل بعد أن كان يقوم منه شيئاً، ويحز في قلبه أن تفوتَه صلاة الفجر في المسجد وقد كان من أهلها، يُزعجه أنه لم يعد سابقاً للخيراتِ كما كان! تفقَّدْ قلبَكَ ولا تركنْ إلى ماضيك المشرق في الطاعة، فكم من قدمٍ زلَّتْ بعد رسوخِها، وكم من جبهةٍ فترت بعد طول سجود، فإن العبرة بالخواتيم! ▪️ساعة وساعة أي أن المُسلم يستحيلُ أن يبقى على وتيرةٍ واحدةٍ من العبادة، ثمة حياة عليها أن تمضي قدماً، هناك وظيفة وأكل عيش، وهناك زوجة وأولاد، وهناك أقارب وأصدقاء وجيران، وزيارات ومناسبات وهذا شيء طبيعي ومفهوم، هذا هو معنى ساعة وساعة ▪️وإنها لا تعني أن تكون ساعة لربك وساعة لشيطانك! ساعةٌ في المسجد وساعةٌ في الملهى الليلي، وساعةٌ بثوبِ الصلاة وساعةٌ متبرجة متعطرة، ساعةٌ تتصدَّقُ وساعةٌ تأكل الربا، ساعةٌ مع صحبةٍ صالحةٍ وساعة مع صحبةٍ فاسدةٍ! ساعةٌ وساعة تعني أن لا تكون في عبادة ولكنك في المُباح لا في الحرام! وحتى المباح الذي تحتسبه عند الله هو عبادة، 👈🏻فزيارةُ القريبِ بنية صلة الرحم عبادة، وتحصيلُ الرزقِ بنية أكلِ الحلال والكفِّ عن سؤال الناس عبادة، هذا الدين العظيم جعلك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فم امرأتك |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣6️⃣ ✍ما شأن ثابت؟ 🌾كان ثابتُ بن قيس جهوري الصوت، فلمَّا نزلَ قولُ الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تُحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" حَسِبَ أنَّه المعنيُّ بالآية شخصياً، فاعتزلَ الناس وجلسَ في بيته، وقال: أنا من أهل النار! ثم إن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم افتقدَه، فسألَ سعدَ بن معاذٍ عنه، فقال له: يا أبا عمرو، ما شأنُ ثابت؟ أشْتَكى/هل هو مريض؟ فقال له سعد: إنَّه لجاري، وما علمتُ له بشكوى! فذهبَ سعدٌ إلى بيتِ ثابتٍ يُخبره بسؤالِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنه، فقال له ثابت: أُنزلتْ هذه الآية، وقد عَلِمْتُم أنِّي أعلاكم صوتاً على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأنا من أهل النار! فذكرَ سعدٌ ذلك للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: بل هو من أهل الجنة! ▪️السؤال: كم مرةً قرأنا القرآن وشعرنا أن الآيات تُخاطبنا شخصياً؟! ▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على التوبة فشعرنا أنَّ الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان تُبْ! ▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على الصدقة والإنفاق فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان تصدَّق! ▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على صِلة الرحم فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان صِلْ رحمك! ▪️هل مررْنا بآيةٍ تحثُّ على برِّ الوالدين فشعرنا أن الله سبحانه كأنما يقول: يا فلان برَّ والديك! هذا هو الفرق بيننا وبين الصحابة، كانوا يتعاملون مع الآيات كأنما هي خطابٌ شخصيٌ من الله إلى أحدِهم! 🌿وٱنظُرْ لخُلُقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف افتقدَ صاحبه فسأل عنه: ما شأن ثابت؟ لقد ظنَّ أنه انقطع عن مجلسه لمرضٍ نزلَ به! فهل تفقَّدْنا بعضنا كما كان يفعل مع أصحابه! عندما تغيَّبَ قريبٌ لنا عن مُناسبةٍ اجتماعيةٍ لم يكن من عادتِه أن يتغيَّبَ عنها، هل سألنا عنه، أو طرقنا بابه لنعرف سبب غيابه! هل غابَ زميل عملٍ فاتصلنا به نسأله ونطمئن عليه! هناك تصرفات بسيطة تُشعر الناس بالدفء! 👈🏻وٱنظُرْ لخُلُقِ سعد بن معاذ، عندما سأل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن ثابت، ذهبَ مُباشرة إلى بيتِ ثابت يُخبره أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يفتقده ويسأل عنه! مشكلتنا هذه الأيام أنه لو ذكرَ أحدٌ أحداً في غيابه بسوءٍ لوَجَدَ أشخاصاً كُثُر يحملون هذه الإساءة ويُبلِّغونها إلى المعني بها، ولكن إذا ذكرَ أحدٌ أحداً بخيرٍ ربما لم تجد ذلك الذي يُبلِّغ الخير إلى صاحبه! إن لم تستطع أن تكون حامل المسك فلا تكُن نافخ الكِير! •••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣7️⃣ ✍فلا جهاد عليك! 🌾كان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أولادٍ كالأُسود شجاعةً وإقداماً شهدوا مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بدراً. فلما كانت غزوة أُحدٍ وأرادوا الخروج في جيش المسلمين أرادوا حبسه، وقالوا له: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد عذركَ. فأتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وقال له: إنَّ بَنِيَّ يُريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، واللهِ إني لأرجو أن أطأَ بعرجتي هذه في الجَنَّة! فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أما أنتَ فقد عذركَ الله، فلا جِهاد عليكَ. وقال لأولاده: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلَّ الله أن يرزقَه الشَّهادة! فأذِنوا له بالخروج فخرج، وفي الطريقِ قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أرأيتَ إن قاتلتُ في سبيل اللهِ حتى أُقتل، أمشي برجلي هذه صحيحةً في الجنة؟! فقال له: نعم! فقُتِلَ يوم أُحُد، فمرَّ عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو بين القتلى وقال له: كأني أنظُرُ إليكَ تمشي برجلكَ هذه صحيحةً في الجَنَّة! ▪️يا لها من بطولةٍ يا عمرو بن الجموح، تخرج للجهاد وقد تخلَّفَ كثيرٌ من الأصِحَّاء، يا له من درسٍ بليغٍ مفاده: سِرْ إلى الله على أيَّةِ حالٍ كنت! لا تدعْ شيئاً يُكبلك، تحاملْ على نفسك فإنها أيام تمضي والموعد الجنة إن شاء الله! ▪️من أكثر ما يُدني الناس من الجَنَّة فعل الخير طلباً لرضى الله ولو لم يفعلوا عذروا ولم يلُمْهُم أحد! ▪️البطن الجائع الذي تطعمه وليس بينك وبينه قُربى ولا رَحِم تبتغي بذلك وجه الله خطوة إلى الجنة! ▪️والخلافُ الزوجيُّ الذي تُنهيه وليس بينك وبين الزوجين قربى ولا رَحِم تريدُ بهذا الصلح أن تجمعَ الأُسرة، وتحفظَ الأولاد من الضياع تبتغي بذلك وجه الله خطوة إلى الجنة! ▪️الحقُّ الذي تُحاول أن تعيدَه لأصحابه لا ناقة لكَ ولا جملٌ فيه تبتغي بذلك وجه الله هو خطوة إلى الجنة! ▪️الولدُ العاق الذي تُعيدُه إلى بِرِّ أبيه ولا يربطك بالاثنين رَحِم ولا قُربى خطوة إلى الجنة! ▪️المريض الذي تسعى في علاجه، والمسكين الذي تساعده في الحصولِ على عملٍ، ▪️والأرملةُ التي تغنيها عن سؤالِ الناس، كل هؤلاء خطوات إلى الجنة، وما تعبدَ الله بشيءٍ أحسن من الإحسان إلى خلقه! •••••••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
5️⃣8️⃣ ✍ يا أم سلمة: ما شأن الناس؟ 🌾 رأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في منامه أنه يدخل هو وأصحابه مكة ويطوفون بالبيت، فلما أصبحَ أخبر الصحابة برؤياه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، فرؤيا الأنبياء حقٌّ، والحنينُ إلى مكة قبلتهم وموطنهم كان كالحسرةِ في قلوبِهم! ومضى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مكة في أربعةِ آلافٍ من أصحابه، وزوجته أم سلمة، ولما كانوا بالحُديبية، جرتْ المُفاوضات الشهيرة بين المُسلمين ووُفود قُريش، إلى أن جاءَ أخيراً سهيل بن عمرو، وتم عقد صلح الحديبية ▪️ وكان من شروطه أن تكون هناك هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات، وأن يرجعَ المُسلمون عامهم هذا عن مكة ويرجعوا إليها في العام القادم، وأن يردَّ المُسلمون من جاءهم مُسلماً من قُريش وأن لا ترُدَّ قُريش من جاءها مُرتداً من المسلمين، وأن للعرب الخيار أن تدخلَ في حِلفِ المُسلمين أو في حِلفِ قُريش! ▪️رأى الصحابة أن في هذا الصلح إجحافاً كبيراً، وتملَّكتهم غضبة المؤمن الحق حين يغضب لله ورسوله، حتى أن عمر بن الخطاب قال للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ألسنا على حق وعدونا على باطل، فقال له: بلى. فقال عمر: فَلِمَ نُعطي الدنية في ديننا إذاً؟! ولكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم المُؤيَّد بالوحي، والمُمتلئ ثقة بالله أن الحديبية هي أول خطوة في طريق فتح مكة، نادى في الناس قائلاً: يا أيُّها الناس انحروا، واحلقوا! أي أنَّ الله قبل منهم عمرتهم، ولكن الصحابة لِحبهِم لله، وعزةِ أنفسهم، ما قام منهم أحد، فأعاد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قوله، فما قامَ منهم أحد، فأعادَ قوله مرةً ثالثةً فما قامَ أحد! 👈🏻فدخلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أُم سلمة وقال لها: يا أُم سلمة ما شأن الناس؟! فقالت له: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيتَ، فلا تُكلِّمَنَّ منهم إنساناً، واعمدْ إلى هديك فانحرْه، واحلِق، فلو فعلت ذلك، فعلوا مثلك! فقامَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يُكلمْ أحداً، فنحرَ هديه، وحلقَ رأسه، فلما رأوه، قاموا فنحروا وحلقوا! 🌿الشاهدُ في الأمرِ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو المؤيد بالوحي، المحفوف بالتوفيق والعصمة، يستشيرُ زوجتَه في قضيةٍ سياسيةٍ ودينيةٍ شائكةٍ تخص الأُمة بأسرها، وعندما سمع نصيحتها عمل بها! ليس في الأمرِ انتقاصٌ للرجولة أن يستشيرَ الرجلُ زوجتَه في مشاكلِه ومشاغلِه، على العكس تماماً هذا من الرجولة لأنه فعل سيد الرجال أولاً، كما أنه امتثالٌ للهَدْيِ النبوي. ▪️وما نسمعه من هادمي الأُسر، ومُقلِّلي شأن النساء، حين يقولون: شاوروهنَّ وخالفوهنَّ، ما هو إلا ذكورية مقيتة، لا تمت لا إلى الدينِ، والسنَّةِ، والمنطقِ في شيء! |
5️⃣9️⃣ ✍العِيلة تخافين عليهم؟! 🌾كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يتصدَّقُ على الفقراء بصدقاتٍ مهولة لدرجة أن سيِّدا شباب أهل الجنة الحسن والحُسين نصحاه أن يتصدَّق بقدر معقول، فقال لهما: لقد عوَّدني ربي عادةً وعوَّدتُ عِباده عادةً، فأخشى إن غيَّرتُ عادتي أن يُغيِّر الله عادته! ومعنى الكلام أنه كان كُلَّما تصدَّق زاد ماله فهو يخاف أن يُقلِّل من الصدقة فيقل مِقداره من الرِّزق، وما ٱستُعطيَ اللهُ سبحانه بشيءٍ أحسن من الصَّدقة! يوم استشهد جعفر في مُؤْتة، جاءتْ أسماء بنت عميس زوجة جعفر بِولديه محمد وعبد الله إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهما طفلان صغيران، فأخذَهما منها، وعانقَهما وقال لها: "العِيلة/الفقر تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟!" ثم دعا لهما فقال: "اللهم ٱخلُفْ جعفراً في أهله، وباركْ لعبد الله في صفقةِ يمينه"! وقد ٱستُجيبت الدعوة المباركة، وكان عبد الله فاحشَ الثراء كثير الصَّدقة! إنَّ صلاح الآباء هو تأمين على حياة الأبناء! هذا قانون الله في الكون، لا يتغيَّرْ ولا يتبدَّل، قانون سنَّه الله يوم خلقَ السماوات والأرض، وأثبتَه في كتابه العزيز حين قال: "وليخشَ الذين لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافاً خافوا عليهم فليتَّقوا الله وليقولوا قولاً سديداً"! كيف يُضيِّعُ الله سبحانه أولاد جعفر الذي ترك الأهل والأحبة والوطن وخرج مهاجراً بدِينه إلى الحبشة، كيف يُضيِّع الله أول مُنافحٍ عن شرعه ودينه في بلاد الغربة عند النجاشي، كيف يُضيِّع الله شهيد مُؤْتة الذي قُطعت ذراعاه وما أفلتَ لواء التوحيد، لا أحد أوفى بعهدِه من الله، وإن عبد الله بن جعفر ثمرة وفاء الله تعالى لجعفر! عودوا بالتاريخ معي حين أرسل َالله تعالى الخضرَ وموسى عليه السلام ليُقيما جدار ولدين يتيمين كي لا يضيع كنزهما لأنَّ أباهما كان صالحاً! أبَعْدَ هذا الوفاء وفاء؟!رجلٌ مجهولٌ لا نعرفه يُرسلُ الله إلى أولاده ولياً صالحاً وكليمه موسى ليُقيما لهما جداراً فقط لأنه كان صالحاً! إذا أردتَ أن تحفظ أولادك، وتتركهم في رعاية الله وحفظِه، فكُنْ صالحاً، ثم لا تقلق فإن الله لا يُخلف الميعاد! كان عبد الله بن مسعود يقوم الليل وابنه الصغير نائم، ينظرُ إليه ويقول: هذا من أجلكَ يا بُني ثم يقرأ: "وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمةً من ربك"! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣0️⃣ ✍ هذه سنتي! 🌾جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواجِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يسألون عن عبادتِه، فلما أُخبروا بها فكأنهم رأوها قليلة، فقالوا: أين نحن من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فقد غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليلَ كله ولا أرقد وقال الثاني: أما أنا فإني أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِر وقال الثالث: أما أنا فإني أعتزِلُ النساءَ ولا أتزوج فلما جاء النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأُخبِرَ بالذي كان من الرِّجال الثلاثة، ذهبَ إليهم، وقال لهم: أنتم الذين قُلتم كذا وكذا؟ فقالوا: نعم يا رسول الله فقال: أما واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أُصلي وأرقدُ، وأصوم وأفطِر، وأتزوج النساءَ، هذه سُنَّتي فمن أعرضَ عن سُنَّتي فليسَ مني! ▪️كان الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عَنهم يَرقُبونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في عِباداتِه ومُعاملاتِه، وفي كلِّ حَياتِه وما حَكَمَ الصحابةُ العالمَ، ولا هَزموا الإمبراطوريات إلا بحُسنِ اتباعهم للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلّّم 🌾لا شيء أحبُّ إلى الله سُبحانه من عبادته على طريقةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وسنته دون إفراطٍ ولا تفريط، وهما مقتلُ الأُمَّة ▪️ فالإفراطُ هو الذي جاء إلينا بالتشدُّدِ، والفِرقِ الضالَّةِ، والاستهانةِ بالدماءِ، والتكفير! ▪️والتفريطُ هو الذي جاء إلينا بالتفلُّتِ، والانهزامِ، والأمراضِ الفكريةِ، والتبعيةِ للغرب! والإسلامُ هو وسطٌ بين رذيلتين، التشدُّد والتفريط، ▫️ ولو نظرْنا إلى تعاليم الإسلام لوجدْنا أن كل فضائله، وأخلاقه، وسط بين رذيلتين، فمن حاد عنه وقعَ في إحدى الرَّذيلتين! ▫️الشجاعةُ التي دعا إليها الإسلام هي وسطٌ بين الجُبن والتهور! ▫️والكرمَ الذي دعا إليه الإسلام هو وسطٌ بين البُخل والتبذير! ▫️والحياءُ الذي دعا إليه الإسلام هو وسطٌ بين الخجلِ المَرَضِيِّ والوقاحة! ▫️العفةُ التي دعا إليها الإسلام هي وسطٌ بين الرهبنةِ والإباحية! دوماً اُنظُرْ إلى الخُلُق السيء في أسفل القائمة وفي أعلاه تجد الإسلام قد أرسى خُلُقاً وسطاً بعيداً عن الخُلُقين السيئين! 👈🏻ليس في ديننا ما نخجلُ به، الذي ينتقِدُ لكَ السِّواك في عصرٍ وصلَ فيه الناس إلى القمر، ينتقِدُ وكأنَّ السِّواك هو الذي منعه من الصعود إلى القمر، ما منعكَ يا عزيزي ليسَ السواك وإنما العقل المريض الذي تحمله في رأسك! ▪️وما أجمل الإمام مالك يوم قال: السُّنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّفَ منها غَرِقَ! |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣1️⃣ ✍أفلا شققت عن قلبه؟! 🌴 أرسلَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم جيشاً إلى الحرَقَة وهم من قبيلة جهينة، سمُّوا بذلك لمعركةٍ كانت بينهم وبين بني مرة بن ذبيان في الجاهلية فأحرقوهم بالسهام لكثرةِ ما قتلوا منهم! وصلَ الجيش صباحاً، ودارتْ معركةٌ سرعان ما انتصرَ فيها المسلمون، وفرَّ منهم رجل فلحِقَه أُسامة بن زيد ورجل من الأنصار، فلما حاصراه قال: لا إله إلا الله! فتوقَّفَ الأنصاريُّ ولكنَّ أسامة بن زيد طعنه بالرمح فقتله! ⬅️ فلما رجعوا إلى المدينة، وعلِمَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالأمرِ قال لأُسامة: أقتلْتَه بعد أن قال لا إله إلا الله، فكيف تصنعُ بلا إله إلا الله إذا أتتكَ يوم القيامة! فقال أسامة: يا رسول الله، قالها متعوِّذاً/خوفاً من القتل! 🌾فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! فتمنى أُسامة أنه لم يكن قد أسلم من قبل، وأن إسلامه كان اليوم حتى لا يكون في صحيفتِه أنه قد قتلَ رجلاً قال لا إله إلا الله رغم أنه كان مُحارباً لهم، ولو تمكَّن منهما لَقَتَلَهُما، وغلب على ظنه أنه قالَها خوفاً ليحمي نفسه وليس عن إيمان، ▪️ لذلكَ اعتزلَ أُسامة كل الفتن والحروب التي دارتْ بعد ذلك بين المُسلمين فلم يحارب مع أحدٍ ولا ضد أحد! ▪️أول ما يُقضى به يوم القيامة في الدِّماء، فلا شيء أعظم ذنباً عند الله بعد الشرك إلا قتل الأنفس التي حرَّم الله قتلها، مُسلمة كانت أم كافرة! وإن أقبح ما ابتليَ به المسلمون اليوم الاستهانة بالدماء! ▪️ومما ابتلي به الناس أيضاً هو الدخول في نوايا الناس! مع أنَّ القاعدة الفقهية للحكم على الأفعال أنَّ لنا الظواهر والله سبحانه يتولَّى السرائر، ولكننا ما زلنا نسمع من يقول إن فلاناً يتصدّق ليرينا أنه غنيٌّ وكريم ويملك مالاً كثيراً يريد بذلك أن "يتفشخر"! وما زلنا نسمعُ من يقول إن فلاناً يذهبُ إلى المسجدِ ليراه فلان فيقبل أن يزوجه ابنته! غابَ حسنُ الظنِّ وحلَّ مكانه سوء الظنِّ حتى صارَ الناس إذا رأوا فلاناً في بيتِ فلان قالوا: الله أعلم ما السيرة! لا أحد يقول لعلَّهما اجتمعا على خير، ولعلَّ هناك فقيراً يُريدان أن يَقضيا حاجته، ولعلَّ هناك مشكلة أُسرية يعملان على حلِّها! واللهِ إن الإنسان بالكاد أن يفهمَ نيته، وأحياناً تختلط عليه الأمور بين حظ النفس والهوى وإرضاء الله، فكيف يجزم الناس في نوايا الناس؟! ******** |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣2️⃣ ✍وما أردتِ أن تعطيه؟! 🌳 كان عبد الله بن عامر طفلاً صغيراً، ودَعَتْهُ أُمه ليأتي إليها فقالت: ها تعالَ أُعطيك! والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالسٌ عندهم ⬅️ فقال لها: "وما أردتِ أن تُعطيه"؟ قالت: أُعطيه تمراً. فقال لها: "أما إنكِ لو لم تُعطهِ شيئاً كُتِبتْ عليكِ كذبة"! 👈🏻كان الإسلام حريصاً على تربيةِ الأطفالِ تربية سوية، لينشأوا بعد ذلك جيلاً يحملُ أعباءَ الدعوةِ باقتدار، ففاقد الشيءِ لا يعطيه، ولمَّا كان الأطفال هم المستقبل، حَرصَ الإسلامُ على التربيةِ الإيجابيةِ لضمان الغد، وكما يقول خبراء التربية: تربية شخصية طفل أسهل من علاج شخصية مراهق! لهذا كانت التربية مُنذ نُعومة الأظفار! ▪️ما يتفوَّه به الأهل للأطفال عند البكاء هزلاً كالوعد بإعطاءِ شيءٍ إن سكت، دون أن يعطوه، أو التخويف بأشياء غريبة كأبي كيسٍ الذي يأخذ الأطفال، أو أبي قدمٍ مسلوخةٍ الذي يعاتب الأطفال الذين يبكون هو من الكذبِ أولاً، ومن هدمِ نفسياتِ الأطفالِ ثانياً! ▪️الأولاد زرع وغراس، ونحن نهاية المطاف لا نحصد إلا ما نزرع! عندما يتربَّى الطفل على الخوف فإنه يتعلَّم الكذب لينجو من العقاب! وعندما يتربى على العنف فإنه يتعلَّم القسوة وتنشأ فيه حاسة الانتقام! وعندما يتربى على الكذب فإنه يفقدُ الثقةَ! وعندما يتربَّى على الفوضى فإنه يتعلَّم الاستهتار! وعندما يتربَّى على قِلةِ الاحترامِ والتقديرِ فإنه يعتاد الذل ويفقد الإحساس بالكرامة! وعندما يتربى على الأنانية يتعلَّم الجشع! الأطفالُ نباتٌ صغير، فانظروا كيف تزرعون نباتكم، وقد قال الشاعر: إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت ولا يلين إذا قوَّمته الخشبُ ▪️فلا تُضيِّعه صغيراً بسوء تربيتك، وبأجواء بيتِك المشحون بالعنف الأُسري، والكذب، وقلة الاحترام ثم تأتيه كبيراً تريد أن يَبِرَّكَ كما يَبِرُّ الأولادُ آباءهم وأمهاتهم! ⬅️ وأكّد ابن القيم - يرحمه الله - هذه المسؤولية فقال: "قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم ال قيامة، قبل أن يسأل الولد عن والده، فإنه كما أن للأب على ابنه حقاً، فللإبن على أبيه حق فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على العقوق، فقال: يا أبتِ إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً". •••••••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣3️⃣ ✍ممَّ تضحكون؟ 🌴روى الذَّهبيُّ في سِير أعلام النبلاء أنَّ عبد الله بن مسعود جاء إلى مجلس عُمر بن الخطاب وهو يومذاك أمير المؤمنين، فكان ابنُ مسعودٍ لا يكاد يُرى بين الناس من قصر قامته، ونحول جسمه، فجعلَ عمر يلاطفه، ويتهلَّل وجهه، فلما مضى ابن مسعود، قال عمر لجُلسائه: نحيلٌ مُلِئَ عِلماً! درس بليغ تعلَّمه عمر بن الخطاب من مشهدٍ كان قد شهده زمن النّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ذلكَ أنَّ ابن مسعودٍ صَعِدَ يوماً شجرةً ليجني منها، وكان نحيلاً جداً، دقيق الساقين، فجعلتْ الريحُ تكشف دِقَّة ساقيه، فجعلَ الصحابة يضحكون، فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مِمَّ تضحكون؟ قالوا: يا رسول الله، من دِقَّةِ ساقيه! فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أُحُد! إنَّما المرءُ بقلبه لا بوزنه، وبعقله لا بماله، وبلسانه لا بثيابه! إنكَ ترى الرجل القصير النحيل فلا تحسبه شيئاً وقد يكون بينه وبين الله عبادة ما كنتَ لِتُدرِكَها ولو عشتَ عُمراً آخر، وترى الرجل الوسيم الأنيق فتُكبره وهو يمشي على الأرض وهي تلعنه ممَّا فيه من فجور وغلظة! على أن ليس كل نحيل قصير صوَّاماً قوَّاماً، وليس كل وسيم غني فاجراً كفَّاراً، إنما القصد أن لا نحكم على الناس بالمظاهر، إنَّ الله خلقَ القبيح ليس عن عجز منه، وخلقَ الفقير ليس عن قلة ذات يد، ولكنه سبحانه جعل الدنيا دار امتحان، فإن لم تحترم الخلقَ فاحترم الخالق! قال زهير بن أبي سُلمى: لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبقَ إلا صورة اللحمِ والدمِ ها هو شاعرٌ جاهليٌّ يُخبرنا أن المرء بقلبه ولسانه، بمشاعره وأخلاقه، بلِينه ولطفه، بكرمه ومنحه، بالإحساس بالآخرين، وبمدِّ يد المساعدة إليهم، بنُصرة الضعيف، ومُساعدة المسكين، والتودُّد إلى الفقير! بهذا يُقاس الناس عنده، لا بالمظاهر الفارغة! شأن الناس دوماً، عامتهم وخاصتهم، أن تخدعهم المظاهر، ويعتقدون أن الإنسان بشكله ووزنه، وطوله وعرضه، وينسون أنَّ هذه أحكاماً طفولية بعيدة عن النُّضج، فضلاً عن بُعدها عن الدِّين! كان عبد الملكِ بن مروان يسمعُ شِعر كُثيِّر عزَّة قبل أن يراه فيُعجبه كثيراً وقد رسم له في ذهنه صورة، فلما قَدِمَ كُثيِّرٌ عليه استقبحَ عبد الملك شكله، وقال المثل الشهير: أنْ تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه! ويا لتعس من أغضبَ شاعراً، ولو كان الخليفة! استجمع كُثيِّر كبرياءه، وقال لعبد الملك: ترى الرجلَ النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسدٌ هصورُ ويُعجبك الطريرُ إذا تراه فيخلف ظنك الرجلُ الطريرُ بُغاث الطير أطولها رِقاباً ولم تطُل البُزاة ولا الصقور ضعافُ الأُسد أكثرها زئيراً وأصرمها اللواتي لا تزيرُ فقال عبد الملك، لله دركَ، ما أفصحَ لسانك، وأضبطَ جنانك، وأطولَ عنانك، ثم قام إليه واسترضاه وطيَّب خاطره! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣4️⃣ ✍إنما هو شيء أصنعه لكم! اجتمعتْ العربُ على المُسلمين يوم الخندق، وزاد الطين بِلةً أن بني قريظة غدروا من الداخل، وعلى خطى بني قريظة جاء عُيينة بن حصن في غطفان ليكتمل مُسلسل الغدر، وصارَ المسلمون بين فكي كماشة، عدوٌ بعيدٌ جاءَ من أرجاءِ جزيرة العرب، وعدوٌ قريبٌ أخلَّ بالعهدِ وهمَّ بالخيانة! 🌳 فأراد النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُعطيَ عُيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة ليرجع ومن معه من غطفان ويخذِّل الأحزاب، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ليُشاورهما بما عزم عليه، وهذا من أدبه صلَّى الله عليه وسلَّم لأن ثمار المدينة ثمارهم ولم يشأْ أن يقطعَ فيها دون إذنهما، فلما كلَّمَهُما في ذلك قالا: يا رسول الله إن كان الله أمرك بهذا فسمعاً وطاعة، وإن كان شيئاً تصنعه لنا، فلا حاجة لنا فيه! لقد كنا وهؤلاء القوم على الشركِ بالله، وعِبادةِ الأوثان، وهم لا يطمعون أن يأكلوا تمرة من تمرِ المدينة إلا بيعاً أو ضيافة، فحينَ أكرمَنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزَّنا بكَ تعطيهم أموالنا؟! واللهِ لا نعطيهم إلا السَّيف! فأثنى عليهما، وصوَّبَ رأيهما، وقال: "إنما هو شيء أصنعُه لكم، لمّا رأيتُ العربَ قد رمتكم عن قوسٍ واحدة"! ▪️الأمرُ كما ترون، مسألةٌ سياسيةٌ بحتة، وحربٌ قائمة، والجميع يبحث عن حل، ولكل فيها رأي، وقد ارتأى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّّم أن يُفاوض غطفان ويعطيهم ثُلث ثمار المدينة ليكفوا شرهم وينسحبوا من حلف الأحزاب، وقد ارتأى السعدان ابن عبادة وابن معاذ أنَّ في هذا ذِلة، فإن كان أمرُ الله فالسمعُ والطاعة، وإن كان اجتهاداً من النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حقناً للدماء، وإبقاءً على المدينةِ عن طريقِ استمالةِ العدو ببعض المال فهم لا يُوافقون، وليس للغُزاة إلا السَّيف، فنزلَ النبيُّ صلّّى الله عليه وسلَّم عند رأيِهِما! ▪️من مآسينا اليوم أن الناسَ لها آراء سياسية، هي في الحقيقةِ اجتهادات شخصية وقراءة للواقع، وتحليل المعطيات، وتقدير للمصالح والمفاسد، فيحملونك على رأيهم السياسي كأنه وحي ليس لكَ أن تخالفه مع أن صاحب الوحيِ قد رضيَ بمخالفةِ أصحابه لرأيه لأن رأيه لم يكن وحياً وإنما هو سياسة وتقدير واجتهاد! على المقلبِ الآخر تجد من يخوِّن كل اجتهادٍ سياسيٍّ وتقديرٍ للموقف، فتجد من هو ممدد على فراشه يريدُ أن يفتي لأهلِ الثغور، أن الهدنة لا تجوز هنا، وأن الحرب لا تجوز هناك! على الذي يتعاطى شأناً سياسياً أن يعرفَ أنه إنسان يصيبُ ويخطئ، وليس عليه حمل الناس على رأيه، وعلى الذي يُتابعُ الشأنَ العام أن يعذر المجتهد ويحسنَ الظن به إذا غلبَ عليه الخير، وأن ينصحَ بمعروفٍ يستحق أن يُسمع! •••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣5️⃣ ✍من لا يَرحم لا يُرحم! 🌳 كان مجلسه دوماً مدرسةً للدين والدنيا معاً، يكفي أن تقرأ سيرته بعقلك لتفهم، وأن تقرأ بقلبك لتتهذَّبَ وتلين! وإلى مجلسه جاء الأقرع بن حابس، وفي المجلس الحسن بن علي، طفلٌ صغيرٌ يلعب، فأخذه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقبَّله… فقال له الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ أحداً منهم قط! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من لا يَرحم لا يُرحم! وجاءه أعرابي، والحسن بين يديه طفلٌ صغير يلعب، فأخذه وقبَّله، فقال الأعرابي: تُقبِّلون الصبيان؟ أما نحن فما نُقبِّلهم! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أَوَأملكُ لكَ أنْ نزعَ اللهُ من قلبك الرَّحمة! 👈🏻من لا يرحم لا يُرحم! إنَّ من عدل الله سبحانه أنه جعل الجزاء من جنس العمل! جزاء الخير خيرٌ مثله، وجزاء الشر شر مثله! ▪️ما غرقَ فرعونُ إلا لأنه كان يقول "أليسَ لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي"! فأجرى الله تعالى ماء البحر من فوقه! ▪️وإخوة يوسف عليه السلام الذين ألقوه في غيابة الجب مدُّوا أيديهم بعد ذلك يستعطفونه لمّا صار عزيز مصر! ▪️وإن الشهيد لا يُفتن في قبره لأنه تكفيه بارقة السيوف فتنة! ▪️وإنَّ أول المخلوقات يُكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ذلك لما أكلتْ النار التي ألقاه فيها قومه من ثيابه! هذه الدنيا تدور، وكل ساقٍ سيُسقى من الكأس التي سقى منها غيره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ! ▪️كل صدقة تضعها في يد فقير هي حفظ لك أن تقف ذات يوم تمدُّ يدك وتطلب الصدقة من أحد! كل مريضٍ أنفقتَ في علاجه هو حصانة أن يُصيبك ذلك المرض! كل دمعةٍ مسحتها بيدك هي يد تخبئها للزمن إن جرتْ يوماً دمعتك! كل يد مساعدة أقمتَ فيها متعثراً هي يد تخبئها للغد، إن تعثرتَ وجدتَ من يُقيمك! كل مظلوم أعنته هو جندي تُخبئه للغد يُعينك إن ظُلمتَ يوماً! كل كلمة طيبة قلتها في غياب أحد هي كلمة طيبة سيقولها أحد عنك في غيابك! كل عرضٍ دافعتَ عنه كأنه عرضك هو عرضك الذي تحميه في المستقبل إن أراد أحد أن ينال منه! حتى الدعاء للميت هو دعاء لكَ تخبئه حين تموت، فكلما رفعتَ يدك تدعو لميت سيجعل الله من يرفع يديه ليدعو لك وأنتَ ميت! لا أحد أحفظُ للمعروف من الله،👈🏻 أما رأيتَ كيف أرسلَ نبياً وولياً صالحاً ليُقيما جدار غلامين يتيمين لأن أباهما كان صالحا؟! ••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣6️⃣ ✍ يرحمُ الله موسى! 🌳 لما كان يوم غزوة حنين، خصَّ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُناساً في العطايا أكثر من غيرِهِم، فأعطى الأقرع بن حابس، وعُيينة بن حصن كل واحدٍ منهما مئةً من الإبل، وأعطى بعض أشراف العرب مثل ذلك يُريدُ أن يتألَّفَ قلوبهم لِما لهم من التأثير والمكانة الاجتماعيَّة خدمةً للدعوة. فقال رجلٌ: واللهِ هذه قِسمة ما عدِلَ فيها، وما أُرِيدَ بها وجه الله! فسمعَه عبد الله بن مسعود، فقال: واللهِ لأُخبرنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بهذا! فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأخبره بمقولة الرَّجل. فتغيَّرَ وجهه من الغضب، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! ثم هدأ على الفور وقال: يرحمُ الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر! فقال عبد الله بن مسعود في سِرِّه: واللهِ لا أرفعُ إليه حديثاً بعد هذا! ▪️قالت العربُ قديماً: إرضاءُ الناسِ غايةٌ لا تُدرك! ولو تأملْتَ حالَ الناسِ لوجدتَ فيهم سَخطٌ وعدم رضا على قضاء الله سبحانه، هذا الذي لا يقنع برزقه، وذاك الذي يحسدُ غيره على وظيفة، وتلك التي تنظرُ إلى بيتِ فُلانة، وهؤلاء الذين ينظرون إلى ما يملك أولئك، فلا تتوقَّعْ وأنتَ الإنسان الذي يخطئ ويُصيب أن يرضى كل الناس عنك! الناس الذين لم يرضوا بقسمةِ ربِّهِم لن يرضوا عن قِسمتك، وإذا كانت قسمة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لاقتْ انتقاداً فأين أنتَ منه حتى يُعجب كل الناس بكل صوابٍ تقوم به؟! ▪️يرحمُ الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثر من هذا فصبرَ! كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتعزَّى بسيرة إخوته الأنبياء الذين أتوا قبله، ويا له من عزاء، فتعزَّ أنتَ أيضاً! ∆ إذا كان لكَ ولدٌ عاق فتعزَّ بنوحٍ عليه السلام، فله ابنٌ ورفضَ أن يركبَ معه في السفينة! ∆ وإن كان لكَ أبٌ على المعصية فتعزَّ بإبراهيم عليه السَّلام، فقد كان أبوه آزر مُشرِكاً! ∆ وإن كان لكَ زوجة تعصيكَ ولا تسمعُ كلمتك فتعزَّ بنوحٍ ولوطٍ عليهما السلام، فقد كان لكلٍّ منهما زوجة كافرة! ∆وإن كان لكِ زوجٌ عاصٍ فتعزِّي بآسيا بنت مزاحم، بنى الله سُبحانه لها بيتاً في الجنة وهي زوجة فرعون الذي كان يقول "أنا ربكم الأعلى"! ∆ إن كان لكَ قريبٌ فاجرٌ فتعزَّ بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فطالما نَعَتَهُ عمه أبو لهب بالكذاب والساحر ناهيك عن الأذى الذي صبَّه عليه هو وزوجته الفاجرة أم جميل! ∆ إن فقدْتَ عزيزاً فتعزَّ بيعقوب عليه السلام ∆ وإن مرضتَ مرضاً شديداً فتعزَّ بأيوب عليه السلام! ∆ وإن قيل فيكَ ما ليسَ فيكَ فتعزَّ بيوسف عليه السلام! 👈🏻سيرةُ الأنبياء ليستْ مادةً قَصصيةً للتسلية، وإنما دروس للعِظة والاعتبار! ••••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣7️⃣ ✍ إنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً! 🌳اشترى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أعرابيٍّ جَملاً بوَسْقٍ من تمرٍ -والوَسْق تقريباً مقدار ما تحمله الدابة- فلما رجعَ إلى بيته يُريدُ أن يُرسل التمر للأعرابي ثمناً للجمل وجد أن أهله قد أنفقوه كله بين أكلٍ وصدقةٍ وهدية، فخرجَ من بيته، وقال للأعرابي: يا عبد الله، إنَّا قد ابتعنا منك جَزوراً بوَسْقٍ من تمرٍ فالتمسناه فلم نجده! فقال الأعرابي: وا غدراه! فنهرَه الناس، وقالوا: قاتلكَ الله، أيغدُرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟! فقال لهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: دعوه، فإنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً! ثم أمرَ أحد أصحابه أن يذهبَ إلى خويلة بنت حكيم يسألها وَسْقاً من تمرٍ دَيْناً، فأرسلتْ خويلة إليه بالتمر، فدفعه إلى الأعرابي ومضى! 👈🏻قصة على اقتضابها إلا أن فيها دروساً كثيرةً وعِبراً: ▪️1- لم يُعنِّف النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أهل بيته لأنهم أفنوا التمر كله دون أن يُخبروه، ولم يسأل حتى من أكلَ، ولِمن أهديتم منه، وعلى من تصدَّقتُم! وهكذا يجب أن يكون الرجل في بيته، صحيح أنه لا بأس بتنظيم أُمور البيت المالية، ولكن من العيب أن يُعاملَ الرجل أهل بيته كأنه خازن بيت المال، يكتب التمرة التي تدخل عنده، ويُسجِّل التمرة التي تُغادر بيته، يُريدُ أن يُحصي على أُسرتِه اللُّقمة التي يأكلونها، وإنَّ عدو النساء الأول هو البُخل، بُخل المال، وبُخل العاطفة، وبُخل الاهتمام! ▪️2- عندما علِمَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه لم يعُد يملك التمر، ذهبَ إلى الأعرابي مباشرة وأخبره بالأمر، وهذا من أدب النُبوة، وقد ٱبتُلينا هذه الأيام بالتطنيش! يقصدكَ أحدهم في دَيْن، فتعملُ بأصلكَ، فإذا جاءَ وقتُ السَّداد ما عُدتَ تراه، والواجب على من من حان وقت سداد دينه أن يُخبر صاحب الدين أن أموره تعسَّرتْ ويطلبْ تأجيلاً، أما أن يتجاهل الموضوع كأنه ما كان فَفِيه خُلقان ذميمان، الأول الحنث بالوعد، والثاني مُقابلة المعروف بالإساءة! ▪️3- اُنظُرْ لفقه النبوة، لم يرضَ أن يُعنِّفَ أصحابُه الرجلَ رغم جفائه في الرَّد بل التمسَ له العذر قائلاً: دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً! فأحياناً حين يشعرُ الإنسان بالظُلم يتخلَّى عن شيء من لباقتِه، تجدُ الزوجة المجروحة من سوء المعاملة تتفوَّه بكلامٍ ما يجب أن تقوله، ولكن لماذا علينا أن نُحاكم ردة الفعل وننسى الفعل الأصلي؟! وتجدُ من وقعَ عليه نصبٌ واحتيالٌ لا يتركُ مجلساً إلا وذمَّ فيه من نصبَ واحتال عليه، فحاولوا أن تتفهَّموا شعور المرارة عند هؤلاء قبل أن تُحاولوا أن تُعطوهم درساً في التربية واللياقة الاجتماعية! ▪️4- أفهامُ الناسِ تختلفُ تبعاً لاختلافِ عقولهم وثقافاتهم، فلا تتوقَّع أن يكون الجميع بذات النُّضج واللَّباقة والكياسة، الفهم أرزاق أيضاً! ولو أن صحابياً كان مكان هذا الأعرابي لقال للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: فِداكَ كل تمر المدينة وجِمالها، ولكن الأعرابي قال له: وا غدراه! فتفهَّموا اختلاف العقول والطباع، نحن مُتشابهون من الخارج فقط، أما من الداخل فنحن عوالم مختلفة، من الناس من يُخاصمكَ عاماً لمزحةٍ عابرة، ومنهم لو جرحته بكلمة ما هانت عليه العِشرة التي هانتْ عليكَ، ولتغافل ومرَّرها لكَ لِلحفاظ على الودِّ القديم! ▪️5- الإساءةُ في طلب الحق لا تُلغيه، من الناس من إذا طُلب منه أداء حق بأسلوب فظ لجعلَ الأسلوب الفظ مقابل الحق الذي عليه، لا يا عزيزي، أنت مُطالب أن تُؤدِّي الذي عليك، ولستَ مطالباً بتربية الناس! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣8️⃣ ✍فليُرَ عليك! 🌳جاء مالك بن نضلة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يلبسُ ثياباً باليةً، فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هل لكَ مالٌ؟ قال: نعم فقال له: من أيِّ المال؟ قال: من كل المال قد آتاني الله عزَّ وجل، من الإبل، والرقيق، والخيل، والغنم فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا آتاكَ اللهُ مالًا فليُرَ أثرُ نعمةُ اللهِ وَكَرامتُهُ عليكَ ☘️وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ الله يُحبُّ أن يُرى أثر نعمته على عبده! فالإنسان يُظهر نعمة الله عليه ولا يتشبّه بالفقراء والله قد أغناه. ▪️إظهارُ النعمةِ جزءٌ من شُكرها، فالإنسانُ إذا أعطاه الله مالاً عليه أن يلبسَ ثياباً حَسَنَةً، والحَسَنُ شيء والغالي شيء آخر، لأن الماركات واللهث وراء الموضة، ودفع الكثير -وفي السوق مُقابل له أنيق وجميل- من الحُمق والتبذير، وللأسف فإن الماركات اخترعَها الناسُ لسرقةِ الأغنياء فاغترَّ فيها الفُقراء! حتى ترى الشاب يشتري ما لا طاقة له به ليتباهى، والفتاة لا تحمل الحقيبة إلا إذا كانتْ من شانيل أو ديور! صحيحٌ أن الأناقة مطلوبة من الجميع، ولكن التكلُّف خُلُقٌ مذموم! ▪️ومن إظهارِ النعمةِ مساعدة المحتاجين، صحيح أن صدقة السر أحب إلى الله وأقرب ولكن قد يبلغ الإنسان من الثراء مبلغاً يجعله مضطراً لأن يتصدق على الملأ خصوصاً في المشاريعِ العامة، كالذي يبني مستوصفاً، أو يحفرُ بئراً في قريةٍ نائيةٍ، أو يتبرعُ بقاعةٍ للمُناسبات، أو يبني مسجداً أو دارَ تحفيظٍ للقرآن، فمثل هؤلاء يدخلون في قول الله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعمَّ هي"! ▪️وكلُّ عطايا الله نِعم، وشُكر النِّعم من جنسها! *بإمكان الطبيب أن يجعلَ له يوماً يُعالج فيه المرضى بالمجان، *وبإمكانِ الأستاذ الجامعي أن يشرحَ خارج القاعة لمن تغيَّبَ عن المحاضرة أو لم يفهمْها، * وبإمكانِ صاحب العلاقات والنفوذ أن يشفعَ لحلِّ مشكلة مسكين، أو تأمين علاج لمُتعثِّر، * بإمكان التاجر الثري أن يُخصِّصَ مواداً غذائية شهرية لعائلةٍ مُتعففةٍ، *وبإمكان رب العمل أن يُخففَ عن الناس بعض ساعات الدوام في رمضان، *وبإمكان المسؤول عن العمال أن يجلسَ معهم ويُحادثَهم ويتلطَّفَ إليهم، إن الطريق إلى الخالق بعددِ أنفاس الخلائق، وكلُّ نعمةٍ تُشكر تُحفظ فحافظوا على النِّعم! |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
6️⃣9️⃣ ✍لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية! 🌳سألتْ عائشةُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن حِجر إسماعيل عليه السَّلام أهوَ من الكعبة؟ فقال: "نعم، هو من الكعبة" فقالتْ: فما لهم لم يُدخلوه في البيت؟ فقال: "إنَّ قومكِ قصَّرتْ بهم النفقة" فقالتْ: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟ قال: "فعلَ ذلكَ قومكِ ليُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا"! ثم قال: "يا عائشة، لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية، فأخافُ أن تُنكر قلوبهم، لأمرْتُ بالبيتِ فهُدِمَ، فأدخلْتُ فيه ما أُخرجَ منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً، فبلغتُ به أساسَ إبراهيم"! 👈🏻ثم لمَّا استلمَ عبد الله بن الزُبير زمام الحُكم في الحِجاز، حدَّثَتْهُ خالته عائشة بهذا الحديث، فقال لها: زالَ المانعُ الذي كان على عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فهدمَ الكعبة وأعادَ بناءها كما كانتْ على عهدِ إبراهيم عليه السَّلام، ثم لمَّا قتلَ الحجاجُ ابن الزبير، هدمَ الكعبةَ مجدداً، وأعادَ بناءها على ما كانتْ عليه أيام قُريش! فلما جاء أبو جعفر المنصور أرادَ هدمها وبناءها مجدداً كما كانتْ على عهدِ إبراهيم عليه السَّلام، فاستشار الإمام مالك بن أنس فنهاه عن ذلك، وقال: «إني أكره أن يتخذها الخلفاء لعبة، هذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأياً آخر» 🌳والشَّاهد في الأمر: لولا أنَّ قومكِ حديثو عهدٍ بجاهلية! يُخبرُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّنا عائشة أنَّ شكل الكعبة الذي تراه ليس هو الشكل الذي بناه إبراهيم عليه السَّلام، وأنه يُريدُ أن يَهدمَها فيُعيدَ بناءها، ولكنه يخشى على إيمانِ قُريشٍ التي دخلتْ في الإسلام حديثاً بعد الفتح! 👈🏻 وهذا من حِكمته، وحُسن سياسته، ومُراعاته للمصالح والمفاسد! ▪️درءُ المفاسِدِ مُقدَّمٌ على جلبِ المصالح! بمعنى أنَّ الأمر الصائب الذي ينوي المرءُ فعله ويترتَّبُ عليه مفسدة أكبر من المنفعة يجب أن لا يفعله! وهذا درسٌ بليغٌ من دروس الحياة! أحياناً نعرفُ أنَّ زوجةً ما قد ظُلمتْ بالزواج من هذا الزوج الذي هي معه، والصواب أن تُنقذَ نفسها وتتركَه، وفي هذا مصلحة لها، ولكن قد يترتَّبُ على هذا الطلاق ضياع الأولاد، فلا هي تستطيع أن تضُمَّهم إليها، ولا تستطيع أن تتركَهم له، فالحكمة هنا أن تُنصح بالصبر، واحتساب الأجر، لا أن تُنصح بالطلاق، ففي طلاقها منفعة فرد واحد، منفعتها هي، ولكن مفسدة لعدة أفراد هم أولادها! ▪️وعلى هذا قِسْ كل أمور الحياة، فالحياةُ ليستْ معادلة حسابية جامدة، واحد زائد واحد يُساوي اثنين، الحياة مُتشابكة، هناك أسود في كل أبيض، وأبيض في كل أسود، والعاقل هو الذي يتقبَّلُ قليل السَّواد للمُحافظة على ما لديه من بياض، ومن أجمل ما قال عمر بن الخطاب: ليس الفطن من عرف الخير من الشَّر، وإنما من عرفَ خير الشَّرين! إن الحياة أحياناً تضعنا بين خيارين أحلاهما مُر، والذكي من سدَّدَ وقاربَ، وقارنَ بين المنفعة والمفسدة، وليسَ كُلُّ حقٍّ يُقال! ••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣0️⃣ ✍أتحبه؟! 🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إذا جلسَ يجلسُ إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجلٌ له ابنٌ صغيرٌ يأتيه من خلف ظهره، فيأخذه، ويُقبِّله، ويمسحُ على رأسه، ويُجلسه في حِجره… فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتُحِبُّه؟ فقال: يا رسول الله أحبَّكَ اللهُ كما أُحبُّه! ثم ما لبث َالغُلامُ أن ماتَ، وانقطعَ الأب عن حلقةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حزناً على ابنه، ففقده النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: ما ليَ لا أرى فلاناً؟ فقيل له: يا رسول الله، ابنه الذي رأيتَه قد ماتَ. فلَقِيَهُ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وعزَّاه به، ثم قال له: أيما كان أحبُّ إليكَ أن تُمتَّعَ به في عمرك، أو لا تأتي غداً إلى بابٍ من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقكَ إليه يفتحه لكَ؟ فقال: يا نبيَّ الله، بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي هو أحبُّ إليَّ! فقال له: فذاكَ لكَ! فقال رجلٌ: يا رسول الله له خاصة أم لنا جميعاً؟ فقال: بل لكم جميعاً! ▪️من لطائف ما قيلَ في تفسير توعُّد سُليمان عليه السلام للهُدهد "لأعذِّبنَّه عذاباً شديداً"، قالوا العذاب الشديد هو التفريقُ بينه وبين أحبابه، فإنَّ فقد الأحبة غُربة! ▪️ومن لطيف ما قال ابن حزم: من ٱبتُليَ بقُربِ من يكره، كمن ٱبتُليَ ببعدِ من يُحب ولا فرق! فقدُ الأحبةِ غُربة، تعتادُ على ابنٍ يملأ عليكَ الدار حياةً وبهجةً ثم تفقده فيا للوجع! وتعتادُ على ابنةٍ تُؤنس قلبكَ، ثم تفقدها فيا للألم! وتعتادُ على حنان أُم تمسحُ بيدها على رأسكَ فتُزيل منكَ هموم الدُّنيا وتُعيدكَ في لحظاتٍ طفلاً صغيراً، ثم تفقدها فيا للوحشة! وتعتادُ على أبٍ يسندك ويكون من بعد الله ملاذك، ثم تفقده فيا للخسارة! وتعتاد على حبيب إذا حضرَ لم تفقدْ في حضوره أحداً، وإذا غابَ لم تحفل بمن حضر، ثم يموت فيا للوحشة! فإذا كان هذا، سأل الله ملائكته وهو أدرى: قبضتم ثمرة فؤاد عبدي؟ فقالوا: نعم! فقال: ما قال؟ قالوا: حمدَكَ واسترجعَ! فقال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنةِ سمُّوه بيتَ الحمد! بالرضى والصبرِ تُبنى بيوت الحمد، فلا تشغلك المصيبة عن بناء بيتك! إن السخط على قَدَرِ الله لن يُغيِّره، الجزع لا يُعيدُ الأموات، والنواح لن يمنحهم عمراً آخر، كل ما في الأمر أنه خسارتين في آن، خسارة الحبيب وخسارة بيت الحمد، وليس غير الله يبقى! فاجعل من الرضى سفينتك يسهل عليكَ العبور! ••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣1️⃣ ✍أَتَرُدِّينَ عليه حديقته؟! 🌳جاءتْ امرأةُ ثابت بن قيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالتْ: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتبُ عليه في خُلُقٍ ولا دِين، ولكني أكرهُ الكُفر في الإسلام! فقال لها: أَتَرُدِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لثابت: اِقْبَلِ الحديقة، وطلِّقها تطليقة! 👈🏻وكواليس القصة كالتالي: جاءتْ زوجةُ ثابتْ بن قيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا تعيبُ في زوجِها خُلقه ولا دينه، ولكنها تكرهه لدمامته، وقُبح صورته، وتخشى أن يؤديَ هذا النُّفور الطبيعي منه إلى كُفران العشير، وعدم القيام بحقه، والإساءة إليه، ومنعه حقه الطبيعي من العِشرة والفِراش، وما إلى هنالك من الخِصام والنشوز الذي يكون من الزوجة الكارهة لزوجها. فكان جوابه صلَّى الله عليه وسلَّم: أتَرُدِّين عليه حائطه؟ بمعنى إذا كنتِ تكرهينه كل هذه الكراهية، وتخشين أن يؤدي بقاؤك في عصمتِه إلى أمرٍ مُخالفٍ لأوامرِ الإسلام في الحياة الزوجية، فهل تقبلين أن تُعيدي له المهر الذي دفعه لكِ، لقاء أن يُطلِّقَكِ، فلما وافقتْ، أمرَ زوجها أن يأخذَ المهر الذي دفعه، ويُطلِّقها، وهذا ما يُسمى الخُلع! ▪️لهذا السبب أباح الإسلامُ العظيمُ نظرَ الخاطبِ إلى المخطوبةِ والعكس، كي لا يقع الفأس في الرأس، ويُعقدُ الزواج، ثم لا يجد أحدهما ما يُريده من شريك عمره، فيتحوَّل الزواج من عِبادةٍ لتحصينِ الفرج وإنشاءِ أُسرةٍ مُسلمة، إلى ساحةِ حربٍ قائمةٍ على البُغضِ والهِجران! وأنا أميلُ إلى الرأي القائل بعدم جواز تزويج الفتاة لشابٍ لا ترضى صفاته ولو كان صالحاً! لأن في هذا ظُلم للاثنين، ▪️ وما أفقه عُمر بن الخطاب حين قال: لا تُكرِهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنهنَّ يُحببنَ ما تُحبون! ▪️على أنه إذا وقعَ الزواج، فالأصل أن يبحثَ الناسُ عن السَّترِ، ولَمِّ شملِ الأُسرة، وتربيةِ الأولاد، لأن كُلفة الطلاق قد يترتَّبُ عليها من المفاسد أكثر مما يترتَّبُ عليها من المصالح، مع التأكيد أن الطلاق حلال، وأنه ليس أبغض الحلال إلى الله كما هو شائع، فإن الله سبحانه لا يكرهُ حلالاً شرَّعه لعباده! ولعلَّ الشاب الوسيم يجعل حياة الفتاة جحيماً فلا تعود تُطيق النظر في وجهه، ولعلَّ الفتاة الحسناء تجعل الرجل بسوءِ أخلاقِها يكرهُ جنس النساء، صحيحٌ أنه من حقِّ كل شخص أن يبحثَ عن شيء من الجمال ولكنه ليس كل شيء! ▪️وعن الستر، ورغبة العيش، جاء رجلٌ إلى عُمر بن الخطاب، وقال له: إني أُريدُ أن أُطلق امرأتي! فقال له عُمر: ولِمَ؟ فقال: لأني لا أحبها! فقال له: أَوَكُلُّ البيوت قامت على الحُب، فأين المروءة والذِّمة! ••••••• |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣2️⃣ ✍ ويُعجبني الفأل! 🌳قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه يُصحح عقائدهم: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صَفَر، ولا نوء، ولا غول، ويُعجبني الفأل"! قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "كلمة طيبة"! وعن العدوى قال له رجل من الحاضرين: يا رسول الله، الإبل تكون في الصحراء كأنها الغزلان، فيدخل فيها البعير الأجرب فيجربها فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "فمن أعدى الأول"! ▪️أما انتقال الأمراض بالعدوى فثابت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بلا خلاف، ومنها قوله: "لا يُورد ممرض على مصح"! وقوله: "فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"! أما قوله هنا: "لا عدوى" فهو صرف قلوب الناس من الأسباب إلى ربِّ الأسباب، وهذا المعنى يُؤكِّدُه سؤاله للأعرابي إن كانت الأمراض لا تنتقل إلا بالعدوى فمن أين جاءتْ العدوى الأولى؟! جاءَ الإسلام ليهدِمَ معتقَداتِ الجاهليةِ ويبنيَ للمُسلمِ العقيدةَ الصحيحةَ المبنِيَّةَ على صِحةِ التوحيدِ وقوةِ اليَقينِ والابتِعادِ عنِ الأوْهامِ والخيالاتِ التي تعبَث بالعقولِ. ▪️والطيرةُ هي التشاؤمُ فكانوا في الجاهلية يُكثِرون منها فإذا خرج الرجل إلى تجارة ولقيَ في طريقه رجلاً أعورَ اعتبر هذا مؤشر سوء فتشاءم ورجع، وتشاؤمُ الجاهليةِ يحتاج كتاباً وحده! ▪️والهامةُ هي طائرٌ كان أهل الجاهلية يعتقدون أنه يخرج من جسدِ القتيل ويبقى عند قبره يصيح: اسقوني، اسقوني، فلا يسكت حتى يُؤخَذُ بثأره! ▪️وصَفَرُ هو الشهر الهجري المعروف وكانوا يتشاءمون من قُدومِه في الجاهلية! ▪️والنوءُ هي نجومٌ في السماءِ كانتْ إذا ظهرتْ لزموا بيوتهم وكفوا عن التجارةِ والزواجِ والتنقُّلِ حتى تختفي! ▪️والغولُ هو نوعٌ من الجِنِّ كانوا في الجاهلية يعتقدون أنه يقف للمسافر في الطريق ليُخيفه ويُضله عن مقصده! 🌳ويعجبني الفأل، وهنا مربط الفرس، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ فقال: كلمة طيبة! 🗯️ إذا دخلتَ على المريض، فأخبره أنها أيام ستمضي، وأنه ما شاء الله اليوم أفضل من البارحة، فالحالةُ النفسيةُ للمريض لها تأثير الدواء في الشفاء! 🗯️ وإذا دخلتَ على فاقدِ حبيبٍ، فأخبِره أن ما للمؤمن عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن الجميع قد مات له حبيب، والعزاء أن يجمعَنا الله في الجنة. 🗯️ إذا دخلتَ على المديونِ أَخْبِرْهُ أن فرج الله قريب، وكم من إنسان فرَّج اللهُ حالَه بعد عُسر، وأن الأيام دُول، وأن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ماتَ ودرعه مرهونة عند يهودي! 🗯️ إذا دخلتِ على عقيمٍ فأخبريها أن الأولاد رزق، وأن أرفع أخلاق المُؤمن هو الرضا، وأن عائشة ماتتْ ولم تُنجِب، وأن الأمل بالله فسارة زوجة إبراهيم عليه السلام رزقها اللهُ ولداً بعد أن بلغتْ من العمر عتياً! ⚡يحتاجُ الناس إلى من يُربِّتُ على قلوبِهم، ويحقنُهم بالأمل، ويُخبرُهم أن القادم أفضل بإذن الله |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣3️⃣ ✍فهو في سبيل الله! 🌳مرَّ رجلٌ قويُّ البِنية، فارع الطول، بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جالسٌ بين أصحابه، فلما رأوه أعجبهم نشاطه وقوته، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! فقال: إن كان خرجَ يسعى على أولادٍ صغارٍ فهو في سبيل الله، وإن كان خرجَ يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللهِ، وإن كان خرجَ يسعى رياءً ومُفاخرةً فهو في سبيل الشيطان! ▪️يعتقدُ الناس أن الجهاد بالسيفِ هو فقط الجهاد في سبيل الله، وما عدا ذلك هو من طقوس الحياة الرتيبة! صحيحٌ أن الجهاد في أول قائمةِ الأشياء التي في سبيل الله، وأنه أول ما يتبادر إلى الذهن إذا ما قيل في سبيل الله، ولكن الحياة بالحلال هي في سبيل الله! 💬 ظنَّ الصحابة أن قوة الرجل وبأسه لا بُدَّ أن تكون في المعركة لتكون في سبيل الله، فإذا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُصححُ مفاهيمهم! ويُخبرُهم أنَّ هذا الرجل لو كان خروجه لتحصيل قوتِ أولاده وزوجته فهو في سبيل الله، ولو كان خروجه لأجل أبوين يُنفِقُ عليهما فهو في سبيل الله، ولو كان خروجه لأجل تحصيل مهر ليتزوج ويعفَّ نفسه فهو في سبيل الله! 🔸تحسَّسوا الأجر في كل سعيٍ إلى الحلال فهو في سبيل الله! نهوضُك صباحاً إلى عملك لأجل لقمةِ أولادِك ليست مُجرَّد وظيفة، هذا جهاد يومي في سبيل الله! 🔸عملُكِ في بيتكِ لأجل أن يجدَ الأولاد والزوج لقمة شهية، وثياباً نظيفة، وبيتاً مرتباً ليس مُجرد عمل حياتي مرهق، هذا جهاد يومي في سبيل الله! 🔸اصطحابُ أحد أبويكَ إلى الطبيب هذا ليس مُجرد طلب استشفاء، هذا بِرٌّ وهو في سبيل الله! 🔸ذهابُك لزيارة مريضٍ ليس طقساً اجتماعياً، هذا جبران خاطر في سبيل الله! 🔸حضورُك لتعزيةِ أولادٍ بفقدِ أبيهم أو أمهم، ليس مظهراً اجتماعياً، هذا تراحم في سبيل الله! إن الحياة في الطاعة والخير والمعروف كلها في سبيل الله، فتحسَّسوا الأجر يسهُل عليكم الجهاد! •••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣4️⃣ ✍فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟! 🌴جرتْ بين أبي بكرٍ وعمر محاورة، قامَ منها عمر غاضباً، فلحقه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أنه أغلقَ بابه في وجهه! فأقبل أبو بكر إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُرى عليه أثر ما كان بينه وبين عمر، فلما رآه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: أما صاحبكم فقد غامرَ/خاصمَ! ثم سلَّمَ أبو بكر، وأخبر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالذي كان بينه وبين عمر، وكيف طلب منه أن يسامحه فرفض. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: يغفِرُ اللهُ لكَ يا أبا بكر، يُرددها ثلاث مرات! ثم إن عمر ندمَ على ما كان منه، فقصدَ بيت أبي بكر فلم يجدْهُ، فأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فسلَّمَ وجلسَ، ووجه النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تبدو عليه أمارات الغضب، حتى أشفقَ أبو بكر أن يقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعمر شيئاً يحزنه، فجثا على ركبتيه، وقال: يا رسول الله واللهِ أنا كنتُ أظلمَ/أي الحق كان مع عمر! فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ بعثني إليكم فقُلْتُم كذبْتَ وقال أبو بكر صدقَ، وواساني بنفسِه ومالِه، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟! 🔸حتى النُبلاءُ يقع بينهم الخلاف في وجهات النظر، ولو نجا من الخلافِ أحد أن يقعَ فيه لنجا منه سيدا النُبلاء أبو بكر وعمر، ولكن شتَّان بين الذين يَقلبون الصفحة سريعاً، وبين الذين يَجعلون كل خلاف شرارة لحربٍ مستعرةٍ! ▪️لكل إنسان طبع، ولو فهمنا طباعَ الناسِ الذين نتعامل معهم لتجنبنا الكثير من المشاكل، هذا هو أبو بكر، السَّمح الرَّقيق، سريع الاعتذار! وهذا هو عُمر الصَّلب، الحاد في طبعه، فسبحان من ليَّنَ طباع الناس بالإسلام، حتى غدا عمر في حِدته وصلابتِه أحنى على الرَّعية من الأم بأولادها! ▪️النبلاء عندما تذهبُ عنهم فورة الغضب يُسرعون على الفور لإصلاحِ المواقف، وٱنظُرْ لنُبل عُمر حين هدأ، ذهبَ قاصداً بيت أبي بكر ليُصلح ما كان بينه وبين صاحبه، لم ينتظرْ أن تجمعَهما الصُّدفة، ولا أن يتدخلَ بينهما الناس، حتى الخصومة لها أدب، ومن لا يملك أدب الخصومة فلا يُؤمن جانبه، فكونوا نُبلاء إذا تخاصمتم! ما أشبه موقف عُمر بموقف موسى عليه السلام الذي حين غضبَ ألقى الألواح، فلما ذهبَ عنه الغضب أخذها! ▪️وٱنظُرْ لأدبِ أبي بكرٍ ونُبلِه، فحين رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صفِّه لم يهُنْ عنده عمر، وسارع للاعتراف أنه هو الذي أخطأ! كُنْ نبيلاً واعترفْ بخطئك، إبليسُ وآدم عليه السلام عصيا الله، الأول رفضَ السجود، والثاني أكل من الشجرة المُحرمة، وما زال إبليس يكابر حتى طُرِدَ من رحمة الله، وما زال آدم يستغفر حتى صار نبياً! 🔸ثم ٱنظُرْ لوفاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يذكر فضل أبي بكر عليه! مع أنَّ فضلَ النبيِّ على أبي بكر أكبر، يكفي أنه قد هداه إلى الله، ولكن النبي الوفي يخبر الناس دون حرجٍ كيف أن أبا بكر أفنى نفسَه ومالَه في خدمته، فكُنْ نبيلاً ولا تنسَ يداً مُدَّتْ إليكَ عندما ضاقتْ الدنيا بك! ••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣5️⃣ ✍أَفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ! 🌳كان مُعاذ بن جبل يُصلي العِشاء مع النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم يرجعُ إلى قومه ويصلي بهم… فرجعَ ذات يوم فصلَّى بهم، وصلَّى خلفه فتىً من قومه، فأطالَ مُعاذٌ الصلاة، فتركَ الفتى الصلاةَ، وصلَّى وحده! فلمّا انقضت الصلاة أخبر الفتى مُعاذاً بإطالته، وأنه تركه وصلَّى وحده، فقال له معاذ: إنَّ هذا نفاق، لأُخبِرنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم! فلَقِيَ مُعاذ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره، فأرسلَ إلى الفتى وسأله، فقال: يا رسول الله، يُطيلُ المكث عندكَ، ثم يرجع، فيُطوِّل علينا في الصلاة. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَفَتَّانٌ أنتَ يا مُعاذ؟! أي: مُنَفِّرٌ عَن الجَماعةِ، اقرَأْ إذا كُنتَ إمامًا "والشَّمسِ وَضُحاها" و"سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى" ونَحوَهُما مِن قِصارِ المُفصَّلِ. ثم قال للفتى: كيف تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتِ؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة مُعاذ! أي لا أنتبه كثيراً للقراءة. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إني ومُعاذ حول هاتين نُدندن! أي نقرأ حول الجنة والنار! وكان قد أُشيع أن العدو قد اقتربَ، ولم يرُقْ للفتى أن نعته مُعاذ بالمُنافق، فقال: سيعلمُ مُعاذٌ إذا قَدِمَ القوم. فخرجَ الفتى في جيش المسلمين، ورزقه الله الشهادة، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لمُعاذ: ما فعلَ خصمي وخصمك؟! فقال: يا رسول الله، صدَقَ اللهَ وكذبتُ، لقد استشهد! 🔸كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صلَّى بالناس ينوي أن يُطيلَ القراءة بما يحتملُ المصلون خلفه، فيسمع بكاء صبيٍّ في الخلف كانتْ أمه قد أحضرته معها لتُصلِّي معه، فيُخفف الصلاة كي لا يشغل قلب الأم على ولدها! وكان يأمر الأئمة أن لا يُطيلوا في الصلاة، فيقول: إذا صلَّى أحدكم بالناس فليُخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليُطوِّل ما شاء! ▪️وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: إني أتأخرُ عن صلاة الصبح لأجل فُلانٍ مما يُطيلُ بنا، فغضِبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: يا أيها الناس إنَّ منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليُوجزْ، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة! التطويلُ في الصلاةِ مجلبةٌ للمشقة على الناس، وهو خلاف السُّنَّة، فترفَّقوا بالناس ولا تصدُّوهم عن صلاةِ الجماعة! 🔸درسٌ آخر، لا تدخلوا في نوايا الناس، ولا توزعوهم على الجنة والنار، لا أحد يعلمُ ما في القلوب إلا خالقها، ورُبَّ مُتذمِّرٍ من أمرٍ إنما يتذمّر على الشيخ أو العالِم ولا يتذمّر على الشرع والشريعة، فلا تجعلوا من أنفسكم بمقام النُبُوة، والفتى الذي نعتَهُ مُعاذ بالنفاق نالَ الشهادة تحت لواء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلََم، فتأدَّبوا مع الله! ••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣6️⃣ ✍فإنك من أهلها! 🌳وأخيراً أَذِنَ الله تعالى للمسلمين الذين أُوذوا في دينهم، وأُخرِجوا من ديارهم بغيرِ حقٍّ بالقتال! ومن حكمة الله تعالى في تأخيرِ القتال هو تربيةُ الأُمَّة على العقيدة أولاً، لأن الله سبحانه أرادَ أن يكون الجهاد وسيلةً لغايةٍ نبيلةٍ هي إعلاء كلمته في الأرض، لا غاية بحد ذاتها، ولو أُذِنَ بالقتال قبل أن تتربَّى الأُمَّة حقَّ التربية لربما فهمتْ أن القتال مطلوب لذاته، أو هو وسيلة للثأر، وقد أراد سُبحانه أن يجعلَ الجهاد عبادة، ويُؤدِّبَ السَّيف بالقرآن، وإذا أراد الله سبحانه شيئاً كان، وأجملُ الشهادة ما شهد بها الأعداء، وقد قال بعض المُستشرقين: ما عرفَ التاريخ فاتحاً أرحم من المُسلمين! 🔸وخرجَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأصحابه يريد قافلة قُريش، فغيَّرَ أبو سفيان خطَّ مسيرها وأرسلَ إلى قُريش لتُنجده، أرادَ المُسلمون شيئاً، وأرادَ المُشركون شيئاً آخر، ولكن الله أرادَ الحرب، فكانتْ غزوة بدر حيث سلَّ الإسلام سيفه للمرة الأولى دفاعاً عن عقيدته، وسيبقى هذا السَّيفُ مسلولاً، والجهادُ قائماً، لا يُبطله عدل عادل، ولا جور جائر، حتى يُقاتلُ آخر هذه الأُمة الدجَّال كما قال سيدنا، وإنه إذا قال صدق! ☘️ووقفَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين الصَّفين يُحرِّضُ أصحابه على القتال، فقال لهم: قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض! وكان عُمير بن الحمام الذي أخرجَ تمراتٍ من جُعبته ليأكلها على مقرُبةٍ منه، فقال له: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: نعم! فقال: بَخٍ بَخٍ! فقال له: ما حملكَ على قول بخٍ بخٍ؟ فقال: لا واللهِ يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها! فقال له: فإنك من أهلها! فألقى التمرات التي في يده، وقال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! ثم اقتحمَ جيشَ المُشركين، فقاتلَ حتى استشهد، وهنيئاً له شهادة تحت لواء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم! 💡وهنيئاً لكلِّ من فتحَ اللهُ له باباً للجهاد، فأحسنَ دخوله، فقاتلَ عدواً واضحاً، إعلاءً لكلمةِ اللهِ في الأرض، ودفاعاً عن شرعه، ولم يُصِبْ دماً حراماً، ولم يُؤذِ مُسلماً في دمه وماله وعرضه، هنيئاً لهؤلاء الذين تُغفرُ لهم ذنوبهم عند أول قطرةٍ تنزلُ من دمائهم، ويأمنون فتنة القبر، لأن الجزاء من جنس العمل وكفى ببارقةِ السيوف فوق رؤوسهم فتنة، فاللهم شهادةً! ••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣7️⃣ ✍قد حلتُ بينكِ وبين الرَّجل! 🌳جاء أبو بكر لزيارة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقبل أن يستأذنَ ويدخل، سمعَ عائشة ترفعُ صوتها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم! ثم أُذِنَ له فدخلَ غاضباً وقال لابنته: أترفعينَ صوتكِ على رسولِ الله؟! ثم كأنه أراد أن يجذبها إليه ليُعنِّفها فحال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بينه وبينها، فلما خرجَ أبو بكر، جعلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول لعائشة: "ألا ترين أني قد حلتُ بينك وبين الرَّجل"! ثم جاء أبو بكر بعدها، فوجد النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعائشة يضحكان، فقال لهما: أشرِكاني في سِلمِكُما كما أشركتماني في حربكما! ♦️قلتُ أكثر من مرةٍ أنَّ أحبَّ الأحاديث النبوية إلى قلبي هي تلك التي تُظهرُ بشريَّة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأحبُّ حوادث السيرة إليَّ تلك التي تُرينا بيوت النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبيوت الصحابة في هيئتِها الاجتماعية والحياتية الطبيعية التي تُشبه حياتنا تماماً، والسبب في هذا أن الناس اعتادوا أن ينظروا لحياته صلَّى الله عليه وسلَّم وحياة أصحابه بعين الحبِّ والإجلال حتى كادوا يعتقدون أن حياتهم لا مشاكل فيها ولا هموم، فتأتي هذه القصص والحوادث التي أُحبها لتضع النقاط على الحروف، وتخبرنا أن النَّاس هم النَّاس مهما بلغوا من الإيمان عتياً! الخلافات الزوجية تقعُ في كل البيوت، تفرضُها المعاملة اليومية، وهموم الحياة، وتقلُّب النفس البشرية من طور إلى طور، وعندما ترفعُ عائشة صوتها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فالأمر لا علاقة له بمنسوب الإيمان، ولا مقدار التقوى، إنها الحياة يا سادة، فمهما بلغتْ زوجتك من الإيمان لن تُدرك عائشة، ومهما بلغْتَ من الإيمان لن تبلغ إيمان النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وها هي مُشكلة زوجية قد حدثَتْ، والحمد للهِ أن الأوائل نقلوها إلينا حتى نتعلَّم منها الدروس والعِبر! ▪️الدرس الأول: من كان يُمنِّي نفسه بحياةٍ زوجيةٍ بلا مُشكلات فهو واهم أو حالم، ولكن المشكلات إنما يجب أن تكون سحاب صيف يمرُّ سريعاً، والبيوت إنما يجب أن تُدار بالتغاضي والتراحم، أنتَ تتنازل مرةً، وهي تتنازل مرةً حتى لا تكون البيوت ساحات حرب! ▪️الدرس الثاني: تتسعُ رقعة المشاكل الزوجية حين يتحزَّب الأهل لأولادهم، فالزوجة عند أهلها على حق مهما فعلتْ، والزوج عند أهله على حق مهما فعل، وهذا ليس من العدل والمنطق في شيء، الأصل أن يتدخَّلوا للإِصلاح فقط، فالبُيوت ليستْ محاكم لِرَدِّ الحقوق، بمقدار ما هي مكان للتراحم والتعايش والتغاضي والتجاهل، والأنبل من الإصلاح أن يأخذ الأهل على يد ابنهم أو ابنتهم عندما تُخطئ ولا ينسون فضل الصِّهر أو الكنة، وما أنبل أبا بكر يوم ما هانَ عليه أن ترفع ابنته صوتها على زوجِها! ▪️الدرس الثالث: الخِلاف شيء، وأن تهونَ عندكَ زوجتكَ، أو يهونَ عندكِ زوجكِ شيء آخر! النُبلاء يظهرون في الخصومات، وٱنظُرْ لنُبل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم تَهُنْ عليه عائشة حتى حين رفعتْ صوتها عليه، لقد منعَ أباها أن يتعرَّضَ لها، الخِلافات طقس لا مناخ، وعلى الطقس أن لا يستمر طويلاً! ▪️الدرس الرابع: على الفور أعادَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المياه إلى مجاريها، لقد مازحَ عائشة قائلاً: ألا ترين أني قد حلتُ بينكِ وبين الرجل؟! يا لنُبل النبوة إنه يسترضيها أيضاً! اقلبوا الصفحة بسرعة، بعض المواقف لا تحتاج إلى كثير من عزة النفس أيضاً ليس موضعها بين الزوج وزوجته! •••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣8️⃣ ✍إنَّ فيكَ خصلتين يُحبهما الله! 🌳 كان الأحنف بن قيس لا يغضبُ أبداً، حتى سُمِّيَ "حليم العرب"، وعنه كانوا يقولون: هذا الذي لا يغضبُ أبداً، ولكنه إذا غُضِبَ، غضَبَ له مئة ألفٍ لا يدرون فيمَ غضب! وقِيل للأحنف بن قيس يوماً: ممن تعلمتَ الحِلم؟ فقال: من قيس بن عاصم، رأيتُه قاعداً بفناء داره، محتبياً بحمائل سيفه، يُحدِّثُ قومه، حتى أُتِيَ له برجلٍ مربوطٍ ورجلٍ مقتول، وقالوا: هذا ابن أخيكَ قتلَ ابنكَ! فما قطعَ كلامه ولا اهتزَّ، ولما انتهى قال لابن أخيه: يا ابن أخي أسأتَ إلى رحمكَ ورميتَ نفسكَ بسهمك! وقال لابنٍ له: قُمْ إلى ابن عمكَ فحُلَّ وثاقه، وادفن أخاكَ، وسُقْ إلى أمك مئة ناقة دية ابنها، فإنها غريبة في قومنا! 🌳عندما جاءتْ قبيلة عبد القيس إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لتُسلم، سارعَ أفرادُ القبيلةِ بالدخول عليه، إلا سيدهم أشجُّ عبد القيس، بقي عند رحالهم، فربطَ الجِمال، ولبسَ أحسن ثيابه، وأخذَ شيئاً من الطِّيب، وأتى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقرَّبَه منه، وأجلسَه إلى جانبه، وقال له: إنَّ فيك خصلتين يُحبهما الله: الحِلمُ والأناة! فقال له الأشجُّ: أجُبِلْتُ عليهما أم تخلَّقْتُ بهما يا رسول الله؟ فقال له: بل جُبِلْتَ عليهما! ♦️نصٌّ صريحٌ قاطعٌ أن الناس يُولدون بطباعٍ مختلفةٍ، جبلَهم الله سبحانه عليها في بطون أمهاتهم، وهذا واقع نعيشه يومياً ونشاهده عياناً، إننا نرى في البيت الواحد، الكريم والبخيل، الهادئ والعصبي، الشهم والأناني، الحليم والغضوب! ▪️ولكن هذا ليس مُبرِّراً لأن ينساق الإنسان وراء طبعٍ سيءٍ جُبل عليه، لأن الدنيا دار امتحان ومُجاهدة، والنجاح والرسوب إنما يكون بمُخالفةِ الهوى أو الانسياقِ له! حتى الأحنف بن قيس كان يقول: لستُ حليماً ولكني أتحلَّم لأُجبر نفسي عليه وخيرٌ منه ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد 🌳من حديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحِلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقَّ الشَّر يوقه! 👈🏻ولتبسيطِ الفكرة، الإنسانُ مجبولٌ على الشهوة ولكن هذا لا يُبرر الزنى، ولكن الله سُبحانه جبله عليها امتحاناً ليرى كيف يُشبع شهوته حلالاً أم حراماً، يحكمها أو تحكمه! والإنسانُ مجبولٌ على حب المال، ولكن هذا لا يُبرر السرقة، ولكن الله سُبحانه جبلَه عليه امتحاناً ليرى من يكسب بالحلال ومن يكسب بالحرام، من يُؤدِّب شهوته ومن ينساق لها انسياقَ البهائم المحكومة بغريزتها لأن لا عقل لديها! |
🟢 على منهاج النُّبُوَّة
7️⃣9️⃣ ✍أتدري فيما يتناطحان؟ 🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمشي ومعه أبو ذرٍّ الغفاري، فرأى شاتين يتناطحان، فقال له: يا أبا ذر، أتدري فيما يتناطحان؟ فقال أبو ذرٍّ: لا. فقال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ولكنَّ الله يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة! 🔸الدُّنيا ليستْ نهاية المطاف، فلا تبتئس لحقٍّ لكَ لم تأخذه فيها، ولا تفرح بحقٍّ غصبْتَه من غيرك، في الآخرة ستُقام المحكمةُ التي تشهدُ فيها الجوارح، يدُك التي أخذتْ ما ليس لها، وعينُك التي نظرتْ إلى ما لا يحِلُّ لها، وفمُكَ الذي أكلَ الحرام، ولسانُك الذي آذى الناس، شهودُكَ منكَ وعليكَ، فأَحسِنْ اختيار شهودك! ▪️أيتها البنتُ التي حُرمتْ من الميراث لأنها بنتٌ، واللهِ لتفرحينَ بحقكِ الذي ستأخذينه بين يدي اللهِ أكثر من فرحكِ بميراثكِ لو أنكِ أخذتِه في الدنيا! ▪️أيتها الزوجة التي أُوذيتْ ضرباً مبرحاً وكلاماً جارحاً فصبرتْ واحتسبتْ وقالتْ: حسبي الله ونعم الوكيل، واللهِ لتأخذين حقكِ بين يدي الله وستفرحين به أكثر من فرحكِ بدلالِ الدنيا لو أخذتِهِ! ▪️أيها العاملُ المسكين الذي سمعَ عباراتِ الإهانة، وأُوذيَ في كرامتِه وجسدِه، فصبرَ واحتسبَ كي لا يجوع أولاده، والله لتأخذنَّ حقكَ بين يدي الله، ولتفرحنَّ به أكثر من فرح التوقير لو نلته في الدنيا! ▪️أيها التقيُّ النَّقيُّ الذي اتُهِم في دينه، ورُميَ بالتشدُّد والتخلُّف، واللهِ لتأخذنَّ حقك بين يدي الله، ولتفرحنَّ به أكثر من فرحك ولو نصبوا لك منبراً في الدنيا! ▪️أيتُها التي أُوذيت في عرضها، وقيل فيها ما ليسَ فيها! ▪️أيها الذي اتُهم بأمانته وسُجن ظلماً! ▪️أيتها التي قيل عن حِجابها مُعقدة ودقة قديمة! ▪️وأيها الذي أُخذ منه بالواسطة وظيفة كان يستحقها! 🔸استبشروا جميعاً، إنَّ الرَّب العادل الذي سيقضي بين شاتين يتناطحان، وقد سقطَ عنهما التكليف، فسيقضي بالعدلِ بينك وبين خصومك، ويا لسعد من أتى الله مظلوماً ولم يأته ظالماً! •••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
8️⃣0️⃣ ✍أتدرون من المفلس؟! 🌳كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً مع أصحابه، فسألهم: أتدرون من المُفلس؟ فقالوا: المُفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إنَّ المُفلس من أُمَّتي، الذي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا وضرب هذا! فيُعطى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فنيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذَ من خطاياهم فطُرحتْ عليه ثم طُرح في النار! ▪️ فمن خلال سؤاله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟)، أراد أن يَنقلَهم إلى أبعد من الدنيا وحطامها، ويحول أبصارهم وقلوبهم إلى إفلاس من نوع خطير رهيب. ▪️ فما هو المفهوم الصحيح للمفلس؟ ومن هو المفلس الحقيقي في المفهوم النبوي؟. واسمعوا يرحمكم الله لهذا الوصف النبوي للمفلس الحقيقي. ▪️ يقول النبي صلى الله عليه وسلم:(إن المفلس من أمتي)، (من أمتي)، فهو من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، المعني بهذه الصفة هو من هذه الأمة ينتسب إليها وليس بعيدا وليس غريبا عنكم معاشر المخاطبين 🔳 فيوقف( المفلس) يوم الحشر، ويقف حوله خصماؤه الذين كان يظلمهم ويعتدي عليهم إما بلسانه أو بيده، يُوقف ويقف معه غرماؤه في ذلك الموقف الرهيب، كلهم يريدون أخذ حقوقهم التي لم يستطيعوا أخذها في الحياة الدنيا، يقفوا ليُقتص لهم منه، ويأخذوا حقوقهم كاملة في الآخرة. 🔳 ولكم أن تتصوروا هذا الموقف، الخصماء يحيطون به من كل مكان، فهذا يأخذ بيده وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بكتفيه، وهذا يقول ظلمني، وآخر يقول شتمني، وذاك يقول اغتابني، وغيره يقول جاورني فأساء جواري، وهذا يقول غشني، وقائل يقول كذب علي... كل الخصماء، كل الذين نالَهم ظلمَه واعتدى عليهم في الحياة الدنيا يحيطون به، وهو متحير من كثرتهم وتشبتهم به، وقد ضعف عن التخلص منهم ومقاومتهم، لا حول له ولا قوة، فيمد عنق الرجاء إلى ربه لعله يخلصه منهم، لكن يقرع سمعه نداء الجبار: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ ••••••• |
🟢على منهاج النُّبُوَّة
8️⃣1️⃣ ✍ما تقولون في هذا؟! 🌳ما كانوا يعرفون أنهم على موعد مع درسٍ عظيمٍ عمَّا قليل، النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جالس وهم حوله، كلُّ شيءٍ كان عادياً، ليس هناك أمر مستجد من أمور الدنيا، ولا نزل الوحي بشيء من أمور الدين، ثُمَّ مرَّ رجلٌ فسلَّمَ ومضى… فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمن معه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: رجل من أشراف الناس، هذا واللهِ حَرِيٌّ إن خطبَ أن يُزوَّج، وإن شفعَ أن يُشفَّع، وإن قال أن يُستمع له! فسكتَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يقُل شيئاً، ثم بعد قليل مرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين فسلَّمَ ومضى… فقال لمن حوله: ما تقولون في هذا؟ قالوا: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إذا خطبَ أن لا يُزوَّج، وإنْ شفعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع له! فقال: هذا خيرٌ من ملء الأرضِ من ذاك! 🔲 الناس هم الناس في كل عصر، تخدعهم المظاهر، ويسحر قلوبهم ما يروه ويسمعوه، ذلك أنهم اعتادوا أن ينظروا إلى الدنيا بعيون الدنيا، ولو نظروا إليها بعيون الآخرة لاختلفتْ أحكامهم حتماً! الأناقة مطلوبة، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذه البدلة الأنيقة قلباً عفناً، وخلف هذا الفستان الماركة نفسية مريضة! الغنى شيء جميل، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذا الثراء مالٌ حرام جُمع بالغش والظلم والربا وأكل أموال الناس بالباطل! اللسان الحلو فاتن، ولكن ما أدراك أنه قد يكون خلف هذا الكلام المعسول ذئب مُتربِّص، وحيَّة رقطاء تنتظر لحظة اللسع! البطولة الحقيقية ليستْ في رفع الأوزان في النوادي الرياضية وإنما في رفع الغطاء الدافئ لصلاة الفجر! والأناقة الحقيقية ليستْ في البدلة الرسمية ولا المجوهرات، وإنما في نقاء القلب، وطِيب النفس، وحُب الخير للناس! 🔸احكُمْ على الناس بقُربهم من الله وبُعدهم عنه، بإحسانهم للخلق وإساءتهم إليهم! البطلُ الحقيقي هو الذي يتوقَّف عند شرع الله، والجبان هو الذي ينتهك حدود الله ولو انتصرَ كل يوم في معركة! خطبَ شابٌ فتاةً من أبيها، فلم يسأله ماذا تعمل، ولا أين ستُسكنها، ولا كم راتبك، وإنما سأله سؤالاً واحداً أذهله، قال له: في أية ساعة أذان الفجر؟ فلم يعرف! فقال له: ليس عندنا بنات للزواج! ••••• |
| الساعة الآن 10:36 PM بتوقيت مسقط |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. Designed & TranZ By
Almuhajir